أشاد رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي في حوار مع «البيان» بوضع حقوق الإنسان في الإمارات، لافتاً إلى أنّ «موقف حكومة بلاده يتضارب مع موقف البرلمان الأوروبي وقراره المجحف بشأن حقوق الإنسان في الإمارات»، مؤكّداً في الوقت ذاته أنّ «حكومة إيطاليا تُكن كبير الاحترام لقيادة الدولة التي استطاعت خلق نموذج تسامح يحتذى في العالم العربي».
ووجّه مونتي خلال حواره مع «البيان»، أول صحيفة عربية يخصّها بحوار قبيل ساعات من بدئه جولة خليجية تحمله إلى أربع دول، موجّهاً انتقادات كبيرة لقرار البرلمان الأوروبي، مشيراً إلى أنّه كان الأجدر بتقرير البرلمان عند تقييمه أن يأخذ بعين الاعتبار ما حقّقته الإمارات من إنجازات في مجالي حرية الأديان وحقوق المرأة.
وثمّن مونتي، قبيل زيارته الدولة المقرّرة بعد غدٍ الأربعاء في إطار جولة إقليمية في حوار استبق الزيارة، العلاقات الثنائية المتينة بين الإمارات وإيطاليا ، مؤكّداً أنّ هدف زيارته، وهي الأولى من نوعها لرئيس وزراء إيطالي منذ 2007 يتمثّل في رفع العلاقات الممتازة بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، لافتاً إلى أنّ الزيارة المرتقبة ستعد معلما مُهماً في العلاقات المتينة بين البلدين اللذين يشتركان في الرؤية والمواقف ذاتها على المستوى السياسي في معظم القضايا الدولية على حد قوله.
على صعيد آخر، أعرب مونتي عن بالغ القلق إزاء تصاعد العنف في قطاع غزّة وإسرائيل، كاشفا عن جهود يبذلها مع الرئيس المصري محمد مرسي من أجل وقف الاقتتال والتوصّل إلى هدنة بين الطرفين واستئناف الحوار في أسرع وقت ممكن.
وحول الأزمة في سوريا، رحّب مونتي بما أسماه «نتائج مؤتمر الدوحة المثمرة» والتي قادت لتشكيل الائتلاف الوطني السوري، واصفاً الخطوة بالأساسية من أجل الوصول إلى الأطياف السورية في المجتمع السوري بأكمله، معرباً عن الأمل في تحقيق الائتلاف الوطني أهدافه، داعيا في الوقت ذاته المجتمع الدولي مضاعفة جهود إيجاد حلول تعيد السلام للشعب السوري والاستقرار إلى المنطقة. ولفت مونتي إلى أنّ «الربيع العربي» استجاب للتطلّعات المشروعة في مزيد من الحرية والتنمية الاقتصادية في دوله، مشيراً إلى أنّ ذلك «لا يتعارض مع وجود حكومات إسلامية» تكن لها إيطاليا كامل الاحترام وترتبط بعلاقات جيّدة معها على حد وصفه. وأشار مونتي إلى أنّه لا يزال هناك مساحات تعاون بين الإمارات وإيطاليا، لافتاً إلى أنّ الإمارات تعتبر أهم أسواق الصادرات الإيطالية إلى العالم العربي، فيما إيطاليا المصدّر الأوروبي الثالث للإمارات، منوّها إلى الرغبة في تطوير الإمكانيات الكبيرة التي لا تزال متاحة بين البلدين.
وأكد مونتي على أن الإصلاحات التي قامت بها حكومته خلال 12 شهراً الأخيرة عزّزت من بيئة الاستثمار لديهم وخفضت الروتين وأسهمت في إصلاح سوق العمل، ما جعل السوق الإيطالية أكثر مرونة إلى جانب تعزيز سيادة القانون .
وفي ما يلي نص الحوار بين «البيان» وماريو مونتي:
ما الذي تأملون في تحقيقه من زيارة الإمارات وكيف تقيمون العلاقات الثنائية على مختلف المستويات لاسيّما التجارة والاستثمار ؟
هذه هي أول زيارة لرئيس وزراء إيطالي للإمارات منذ 2007 ولذلك تعد معلماً مهما في العلاقات الثنائية الممتازة بين الإمارات وإيطاليا، البلدان يشتركان ذات الرؤيا والمواقف على المستوى السياسي في معظم القضايا الدولية. خلال العام الماضي شهدنا تعاوناً وثيقاً جدا بين البلدين خلال الأزمة الليبية ونتقاسم مصلحة مشتركة في الأمن والسلام الدولي .
بطبيعة الحال العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإيطاليا ممتازة، والإمارات أهم أسواق صادراتنا إلى العالم العربي، ونحن حاليا المصدّر الأوروبي الثالث للإمارات.. لكن برأيي أن هذا لا يكفي، فنحن نريد تطوير الإمكانيات بين البلدين والتي ترتبط بالصلات الثقافية القوية والتي يتقاسمها الإيطاليون مع أصدقائنا العرب، لذلك أردنا من هذه الزيارة تعزيز العلاقات الممتازة بالفعل ورفعها إلى مستوى شراكة استراتيجية، هذا هو الهدف الرئيسي من زيارتنا وسيكون في قلب المباحثات التي سأجريها مع المسؤولين في الإمارات.
ما هي ملامح الفرص الاستثمارية لرجال الأعمال ومستثمري الإمارات في إيطاليا؟
إيطاليا تقدّم مجموعة واسعة من الفرص الاستثمارية، إذ تعتبر ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو وثاني دولة تصنيع، فضلاً عن امتلاكها شبكة واسعة من الشركات الديناميكية والمبتكرة والمرنة في الوقت ذاته والتي تعد من الشركات القيادية في العالم في قطاعات عدة تتراوح ما بين الآلات الصناعية والمواد الصيدلانية والغذاء الفاخر والسلع الكمالية.. الخ .
ولعل الإصلاحات التي قمنا بها خلال 12 شهرا الأخيرة عزّزت بيئة الاستثمار لدينا من خلال خفض الروتين والخطوط الحمراء وتحديث الإدارة العامة وإصلاح سوق العمل، والذي جعلت السوق الإيطالية أكثر مرونة إلى جانب تعزيز سيادة القانون .
ولعل سمات التكامل المثير للاهتمام بين البلدين يتمثّل في امتلاك إيطاليا قطاع التصنيع القوي جداً الذي تمتلكه تقليدياً، وامتلاك الإمارات موقعاً استراتيجياً جداً يتيح الوصول إلي الأسواق النامية بشكل جيّد، وهناك اهتمام حقيقي متبادل بين الشركات الإيطالية ونظيراتها الإماراتية للعمل معا ومواجهة التحدّيات للأسواق الدولية .
عدد من الأعضاء الإيطاليين في البرلمان الأوروبي دعموا القرار المجحف بشأن الإمارات، ما هو موقف إيطاليا الرسمي بشأن قرار من هذا القبيل؟
حكومة إيطاليا وطنية ولا تتدخّل في قرارات البرلمان الأوروبي. وإيطاليا كشريك مؤسس في الاتحاد الأوروبي تحترم بشكل كامل دور جميع المؤسسات الأوروبية، لكن من ناحية أخرى وتحديداً بشأن قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بوضع حقوق الإنسان في الإمارات فموقفنا يختلف عن موقف البرلمان الأوروبي فنحن لدينا احترام قوي جدا لقيادة الإمارات والتي استطاعت خلق نموذج من التسامح يحتذي به في العالم العربي، فعناصر مثل حرية الدين وحقوق المرأة في الإمارات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في إطار شامل ومتوازن عند تقييم ملف حقوق الإنسان في الإمارات.
اختبار اليورو
هل أنتم متفائلون بشأن أنّ حل أزمة منطقة اليورو تسير في الاتجاه الصحيح؟
أزمة اليورو كانت اختباراً كبيراً لأعضاء المنطقة دون شك، لكن القرارات التي اتخذناها في الشهور الستة الماضية أظهرت عزمنا وتصميمنا ليس فقط على الحفاظ على أسس الاتحاد الاقتصادي بل وتعزيزها أيضاً.
قدمنا لأنفسنا وسائل لتحقيق الاستقرار في الأسواق المالية من خلال تنفيذ الاستقرار الدائم لأوروبا، إذ اعتمدت الآلية والبنك المركزي الأوروبي برنامج الاستحواذ على السندات الحكومية لضمان عكس تكاليف التمويل للحكومات والعوامل الاقتصادية الأساسية لديهم وجهود الإصلاح، فضلاً عن اعتمادنا برنامج النمو على مستوى الاتحاد الأوروبي لزيادة تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمويل مشاريع البنية التحتية وهذا يحظى بأهمية خاصة، إذ إنّ تصحيح المالية العامة في بعض البلدان كان له تأثير على المدى القصير على الاقتصاد والعمالة. وأخيرا نحن نعزّز ونقوّى هيكل الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي ونستكمله باتحاد مصرفي أوروبي حيث نظام الإشراف المركزي هو الخطوة الأولي.
أعتقد حقاً أننا سنخرج ونحن أكثر قوة من هذه الأزمة، في الواقع عندما تنظرين إلى وضع الميزانية الإجمالية في منطقة اليورو يمكنك رؤية أنّها أكثر قوة اليوم مقارنة بنظيرتها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان ونتوقع هذا العام أن يكون متوسط عجز منطقة اليورو في حدود 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو أي نصف نتائجها قبل عامين. في الوقت ذاته من المتوقع أن يزيد العجز لدى الولايات المتحدة واليابان عن 8 في المئة لكل منهما، أيضا وضع أعضاء منطقة اليورو في تحسّن ملحوظ، فلو أخذنا إيطاليا كدولة تساعد الأعضاء الآخرين في منطقة اليورو ولم يتم مساعدتنا فإننا نتوقع ميزانية متوازنة من حيث الهيكلة في العام المقبل 2013 جنبا إلى جنب مع برنامج الحكومة والتصفية من الأسهم والممتلكات سيسمح لنا بوضع الدين العام بثبات على المسار التنازلي.
مرّت إيطاليا عبر عملية دمج حادة للميزانية ونفذت عدداً كبيراً من الإصلاحات، هل أنتم متفائلون بقدرتكم على الخروج من الأزمة الراهنة ؟
الموازنة العامة لإيطاليا إلى حد بعيد أفضل، كما أنّ استدامتها على المدى الطويل تعزّز إلى حد كبير من خلال إصلاح نظام التقاعد الذي اعتمد في ديسمبر من العام الماضي 2011 ودخل حيز التنفيذ منذ بداية العام الحالي 2012 .
نفّذنا برنامج إصلاحات هيكلية لجعل الاقتصاد الإيطالي أكثر ديناميكية وقابلا للتكيف واستثمار الشركات فيه، سواء كانت شركات وطنية أو أجنبية. وفي العام الماضي قمنا بزيادة المنافسة في قطاع الخدمات، وبدأنا تحديث الإدارة العامة وإصلاح سوق العمل، فضلاً عن قيامنا بتحسين النظام القضائي أيضا، وفعّلنا وسائل مكافحة التهرّب من الضرائب وغيرها من أنماط السلوك غير القويم مثل الفساد على سبيل المثال.
من المهم الإشارة إلى أن عملنا لم ينته بعد ولكن أنا متأكّد من أنّه سيستمر حيث إنّ الإيطاليين على وعي كامل بأنّ هذا يصب في مصلحتهم ومصلحة الأجيال القادمة، فإيطاليا لديها كل الأسباب لمواجهة المستقبل بثقة، يعزّز من ذلك أنّها تحتل المرتبة الرابعة بعد ألمانيا والصين والولايات المتحدة الأميركية في عدد المنتجات التي فيها الشركات الإيطالية قيادية على مستوى العالم ، واليوم هي أكثر جاذبية لممارسة الأعمال فيها.
قلق من التصعيد الإسرائيلي
كيف تنظرون للتصعيد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة اليوم؟
نشعر بالقلق البالغ إزاء تصاعد العنف في إسرائيل وقطاع غزة، وأنا تحدثت إلى الرئيس المصري محمد مرسي قبيل أيام وناقشنا الأوضاع المتفاقمة، وكلانا منخرط في محاولات تهدف إلى توصل الطرفين إلى هدنة في أسرع وقت ممكن ووضع حد للقتال واستئناف لغة الحوار.
عجز أمام مأساة سوريا
ما هو موقفكم من الأزمة السورية؟ وكيف تفسرون عجز المجتمع الدولي حتى الآن عن وقف سفك دماء المدنيين؟
رحبّنا بنتائج مؤتمر الدوحة ما أدى إلى إقامة تحالف شامل بما في ذلك المعارضة السورية «تشكيل الائتلاف الوطني السوري» وهذه خطوة أساسية من أجل الوصول إلى الأطياف السورية في المجتمع السوري بأكمله، ونأمل أن يحقق الائتلاف الوطني هذا الهدف خلال الأسابيع المقبلة.
نعم، إنّ الصراع السوري بالفعل لا يطاق حيث ترتفع أعداد القتلى وبالتالي يجب على المجتمع الدولي أن يضاعف جهوده لضمان إيجاد حل يجلب السلام للشعب والاستقرار في المنطقة.
دعم افغانستان
ايطاليا قالت إنّها ستواصل دعم أفغانستان حتى بعد سحب قواتها، هل يمكن أن تطلعنا عن نوع الدعم الذي تتحدثون عنه؟ وهل إيطاليا قادرة على توفير الدعم في ظل أزمة الديون التي تعيشونها؟
الجيش الايطالي لديه قوة قيادة قوامها ستة آلاف من الرجال والنساء في منطقة هيرات غرب أفغانستان، إذ إن أكثر من ثلاثة آلاف منهم إيطاليون وهو رابع أكبر فريق بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا ومهمتهم تتمثّل في التحضير للانتقال نحو التعامل مع الرقابة والإدارة للقوات الأفغانية في كابول ، ورجال الشرطة الإيطاليين مشغولون بتدريب الشرطة الأفغانية ومن الواضح تماما أنّ مستقبل وجودنا في أفغانستان سيكون مختلفاً تماماً، لكن وكما أكّدت مرة أخرى للرئيس الأفغاني حامد كرزاي عندما زرت كابول في بداية نوفمبر الجاري أنّ إيطاليا لن تتخلى عن أفغانستان بعد سحب قواتها في العام 2014. إيطاليا كانت أول دولة تبرم تعاونا طويل الأجل واتفاق شراكة مع أفغانستان لفترة ما بعد التدخّل.
وبالمناسبة أفغانستان ليست البلد الوحيد الذي تمتلك إيطاليا وجوداً لقوّات حفظ السلام فيه فلدينا وحدة في لبنان أيضاً. أما حول سؤالك بخصوص مدى مقدرتنا على الدعم في ظل أزمة الديون، فأقول لك بأننا قادرون على إدارة تلك الديون حيث إنّ وضع ميزانيتنا تقريبا على التوازن، وهو أيضا يوفّر الدعم للدول المحتاجة في منطقة اليورو، ونحن سنحترم التزاماتها الدولية.
العلاقات الإيطالية العربية
كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات الإيطالية مع بلدان الربيع العربي لاسيّما بعد تولي حكومات إسلامية سدة الحكم؟
استجاب الربيع العربي للتطلعات المشروعة في مزيد من الحرية والتنمية الاقتصادية في البلدان التي عايشته، وهذا لا يتعارض مع وجود حكومات إسلامية والتي تحترمها إيطاليا كثيرا جدا وترتبط بعلاقات جيدة معها في الشهور الماضية. ومن خلال أحاديثي مع القادة الجدد في هذه الدول وجدت فيهم الالتزام العميق الذي يلهم الأمل، ومن كــلا المستويين سواء الثنائي أو من خلال الاتحاد الأوروبي نقدّم الدعم الملموس لحكوماتهم الجديدة لمساعدتهم على التـــعافي ووضع سياسات تجارية متـبادلة المنفعة، وتعزيز التنمية الاقتــــصادية الشاملة بما يسهم في تعزيز الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
