كشف رشيد بن عيسى، وزير الزراعة والتنمية الريفية الجزائري، أن بلاده ستحقق خلال موسم الحصاد الحالي حوالي 6.5 إلى 7 ملايين طن من الحبوب، وهو مستوى أعلى من الرقم الذي تحقق عام 2009 اذ بلغ 6.1 ملايين طن، و سيكون الإنتاج قياسيا خلال الموسم الجاري.
وقال في تصريحات لـ"البيان" ، إن قرار شراء القمح من المنتجين المحليين بسعر السوق الدولية شجع كثيرا على رفع الإنتاج الوطني هذه السنة لتساقط قياسي للأمطار والثلوج في مناطق الإنتاج الرئيسية في الهضاب العليا الشرقية والغربية ووسط البلاد.
وسجل إنتاج الحبوب في الجزائر ارتفاعا من 1.5 مليون طن سنة 2000 الى 4.3 ملايين طن عام 2007 ثم 6.1 ملايين طن سنة 2009، ليعاود الانخفاض إلى 4.6 ملايين طن سنة 2011 بسبب الجفاف علما أن حاجيات الجزائر تقدر بـحوالي 8 ملايين طن من الحبوب سنويا، مايضطر البلاد لاستيراد كميات تتراوح بين 4 إلى 6 ملايين طن سنويا من الأسواق العالمية.
وأكد أن الدعم الذي سيوجه للقطاع الزراعي لاحقا سيكون على أساس عقود نجاعة تهدف لتحقيق الأمن الغذائي وخفض التبعية الخطيرة لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا، وستكون مساعدات الحكومة للقطاع في المجال التقني والمكننة على أساس حزمة شروط تتراوح بين الالتزام بشراء التجهيزات المنتجة محليا وتحقيق جزء من الأمن الغذائي في المنتجات الإستراتيجية على الأقل.
وأشار إلى إن بلاده تعمل على الحد من الارتفاع المتواصل لفاتورة الغذاء من خلال التركيز على تكثيف إنتاج القمح وتطبيق إستراتيجية جديدة تعتمد على تغيير أنماط الاستهلاك نحو أنماط جديدة للحد من استهلاك الحبوب وتعويضها بمواد نشوية أخرى ومنها مادة البطاطس.
وبلغ إنتاج الجزائر من البطاطس السنة الماضية 3.6 ملايين طن، وهناك خطط لرفع الإنتاج إلى 4.3 ملايين طن في العام المقبل للوصول بحصة الفرد إلى 120 كغ بدلا من 100 كغ حاليا.
وسجل القطاع الزراعي، متوسط نمو وصل إلى 6 % منذ سنة 2001 التي شهدت انطلاق المخطط الوطني للتنمية الفلاحية الذي سمح بإستصلاح 500 ألف هكتار من الأراضي، وهو ما أسهم في رفع المساحات الصالحة للزراعة إلى 8.5 ملايين هكتار، وعدد العاملين من 2.5 مليون إلى 3.5 ملايين مزارع خلال نفس الفترة.
بلغ رقم أعمال القطاع الزراعي، حوالي 10مليارات دولار، وهو مبلغ أقل من فاتورة الاستيراد للمواد الغذائية للسنة السابقة التي بلغت حوالي 11 مليار دولار بسبب زيادة كميات الحبوب المستوردة التي بلغت 5.6 ملايين طن من القمح.
وتواصل الجزائر دعم المواد ذات الاستهلاك الواسع وحماية المنتجين من عوامل الطقس والبيئة، عبر دعم قيمته 2.75 مليار دولار"200مليار دينار " بهدف الوصول بالإنتاج إلى 75 بالمائة سنة 2015 من حوالي 8 ملايين طن سنويا التي تستهلكها الجزائر، وذلك من خلال عقود النجاعة وتعزيز القدرات التي تتوفر عليها كل مقاطعة من المقاطعات الـ48 في إطار سياسة التكامل الوطني.
وكان البرلمان الجزائري قد اعتمد سنة 2008 قانون التوجيه الفلاحي وهو الأول من نوعه منذ استقلال عام1962، وسمح القانون بـ"تحديد جوانب عديدة متعلقة بضبط النشاط الفلاحي وتعزيز مكانته في الاقتصاد المحلي والحفاظ على الأراضي الفلاحية ومهمتها الإنتاجية وتوفير حماية كاملة للفلاحين ومربي الماشية.
وتتجلى أهمية ذلك بتشكيله أساس السياسة المستقبلية المتعلقة بالتجديد الفلاحي القائمة على "تحرير المبادرات" وتثمين الموارد الطبيعية وإقرار نظام "التنازل" باعتباره نمط استثنائي لاستغلال الأراضي التابعة لأملاك الدولة لمدد زمنية تصل إلى 40 سنة بهدف تأمين المتدخلين في عملية خلق الثروات (فلاحين ومربين ومتعاملين في مجال الصناعات الغذائية التحويلية) .
و"تشجيعهم على الاستثمار والعمل على تطوير نشاطاتهم" . ويمكن استغلال حق "الامتياز" الذي تمنحه الدولة كضمان للحصول على قروض من البنوك دون فوائد لصالح كل المتعاملين وتعزيز المكننة الفلاحية من خلال تعزيز القرض الإيجاري والتعاضدية الريفية. ولا يستثني حق الامتياز المستثمرين العرب والأجانب، شريطة توجيه إنتاجهم لتغطية الطلب المحلي والاكتفاء بتصدير الفائض، وخاصة بالنسبة للمواد الإستراتيجية مثل الحليب والحبوب واللحوم البيضاء والحمراء والأسماك والتمور وزيت الزيتون.
تبعية خطيرة لمنطقة اليورو
عكس ما كان متوقعا من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر 2005، لم تحقق الجزائر أي مكاسب استثنائية تذكر غير المزيد من التبعية لمنطقة اليورو.
وقال الخبير الاقتصادي البروفسور عبد المجيد بوزيدي ، إن بلاده تكبدت خسائر كبيرة بسبب ارتفاع اليورووهي عملة استيراد لـ 57 % من البضائع، مقابل الدولار الضعيف الذي يعد عملة فوترة 98 % من الصادرات الجزائرية بسبب هيمنة المحروقات على بنية الصادرات. والحكومة سجلت تراخيا كبيرا في التعامل مع إشكالية التبعية الغذائية للخارج رغم توفر ظروف مواتية خلال السنوات الفارطة التي شهدت تحسنا معتبرا في الظروف المناخية ونسبة التساقطات المطرية وزيادة احتياطات السدود التي لم تستغل بكفاية عالية باستثناء مجال رفع نسبة التزود بالماء الشروب.
كما إن الخطة الزراعية التي باشرتها الحكومة لم تحقق الأهداف المرجوة منها، رغم إنفاقها لمبالغ ضخمة على القطاع الفلاحي في شكل استثمارات ودعم مباشر من الخزينة العامة للفاعلين في القطاع منذ انطلاق البرنامج الوطني التنمية الزراعية سنة 2001.ومساهمة القطاع الفلاحى في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز 6 % من إجمالي الناتج البالغ 185 مليار دولار سنة 2011.
وأكد المتحدث، أن حدة التبعية للخارج ساهمت في زيادة سلطة شبكات الفساد واللوبيات التي نجحت في تحويل الاحتكارات العمومية إلى احتكارات خاصة خلال العقد الأخير، مستغلة غياب الشفافية والمنافسة الشريفة، مضيفا أن غياب الشفافية في تسيير الشأن الاقتصادي أدى إلى تشكيل جماعات ضغط واسعة النفود وفرت لنفسها حماية على حساب بقية أفراد المجتمع.
ومنذ دخول اتفاق الشراكة بين الجزائر والإتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، بات بإمكان المصدرين للقمح من فرنسا وبلدان الإتحاد الأوروبي تصدير حصة سنوية تصل إلى 400 ألف طن من الحبوب دون دفع الرسوم الجمركية في إطار نظام الحصص وهو الامتياز الذي لا تتمتع به الجزائر.
وتستورد الجزائر إلى جانب القمح الفرنسي، كذلك السلعة نفسها من كندا وأميركا والمكسيك عن طريق الديوان القومي للحبوب ومستوردين من القطاع الخاص. وأمام الانتقادات الواسعة التي وجهت للحكومة بشأن الطرق المنتهجة في عمليات الاستيراد، قررت اللجوء إلى نظام المناقصات الدولية للحد من التجاوزات التي تحصل خلال إبرام الصفقات الخاصة باستيراد القمح، وخاصة أن 50 بالمائة من واردات البلاد من القمح تتم من خلال متعاملين خواص، وهم في العادة من أصحاب النفوذ الذين بإمكانهم الحصول على خطوط قروض بنكية لتمويل عملياتهم التجارية الخارجية بيسر كبير.

