أكد أستاذ التاريخ الاجتماعي وأحد أفراد المجموعة التي كلفها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بصياغة تاريخ ثورة يوليو، دكتور محمود متولي، أن الشعب المصري رغم خضوعه لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك لمدة 30 سنة، إلا أنه شعب دائم الثورة على حكامه، حيث قام بأول ثورة في التاريخ كله في عهد الملك "نفركارع" في عهد الفراعنة، وتواصلت ثوراته، إلا أنه فشل في أن يُؤسس نظام حكم ديمقراطي، فمرت عليه ديكتاتوريات كثيرة، منها ما كانت إصلاحية، ومنها ما كانت تتبع سبلاً فاسدة لنهب ثروات مصر.
وأضاف في حوار مع "البيان" إن تركيبة المجتمع المصري عقب ثورة 25 يناير 2011 تغيّرت، فعاود المواطن المصري إحساسه بالجرأة على الخروج على حاكمه عندما حاول أن يحيد عن مبادئ الثورة، أو أن يتبع سبلاً ديكتاتورية..
مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن التيار الإسلامي الذي يسيطر على عدد كبير من المراكز القيادية في مصر الآن لا يستطيع أن يفرض سطوته أو ديكتاتوريته على الساحة؛ لأنه تعلّم الدرس جيدًا، وأدرك بما لا يدع مجالا للشك أن تاريخهم النضالي لن يغفر لهم مطلقًا، وحتى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين لن يشفع لها إن أرادت السيطرة على الساحة السياسية أو فرض نوع من الديكتاتورية الدينية.. وهذا نص الحوار.
شهدت مصر عدداً من الثورات على مر التاريخ، فما القاسم المشترك بينها ؟
الشعب المصري معتاد على الثورات ضد الأنظمة الفاسدة، فدائمًا ما يثور على الظلم، ولأسباب اجتماعية واقتصادية، فهو دائمًا ما يرفض التهميش والذل، والخضوع والخنوع لأي نظام سياسي يقوم بنهب ثوراته، ولذلك فإنه كان أول شعب في التاريخ البشري كله يقوم بثورة ضد حكامه، في عهد نفركارع (بيبي الثاني) الذي يعد أصغر حاكم في التاريخ، بعد أن تولى الحكم تحت الوصاية وعمره 4 سنوات، وعمل على تهميش الشارع المصري، والتعامل بالعصا والديكتاتورية، فقام المواطنون بثورة ضده لإسقاطه، وتم لهم ذلك بالفعل.
وهل كانت المطالبة بـ"الديمقراطية" وليدة ثورة 25 يناير فقط؟
الشعب المصري يجيد صناعة الديكتاتوريات، ويجيد الانقلاب عليها أيضًا ولو بعد حين، فقد صبر على نظام الرئيس السابق، حسني مبارك لمدة 30 سنة كاملة، وبعدها طفح كيله وثار ضده.. وتعد "الديمقراطية" هي المطلب الدائم للشعب المصري، لكنه لم يحصل عليها أبدًا في تاريخه، إلا أنه اقترب منها بصورة أو بأخرى لكن لم يمارسها بالصورة الحقيقية، ولم يعتد على نظام التعددية.
هل تعني أن الشارع غير مهيأ نفسيًا أو اجتماعيًا لممارسة تلك التعددية الفكرية والحزبية؟
كل من حكم مصر منذ عهد الفراعنة وحتى الآن كان أسلوب نظامه ديكتاتوريا، وولد ذلك إحساسًا لدى المواطنين أن الدولة لابد وأن تدار بالحكم القوي، وأن الديمقراطية لن تنجح، ما ولّد نظرة قاصرة تجاه الديمقراطية في الشارع المصري، ومؤكد ان تلك النظرة في طريقها للتغيير الآن بعد ثورة 25 يناير.
لكن مصر في عهد جمال عبدالناصر نعمت بنوع من الرخاء الاقتصادي في ظل سياسة الإصلاح الزراعي وتوزيع الملكية.. ما تعليقك؟
الرئيس الراحل جمال عبدالناصر رغم إصلاحاته الاقتصادية والتي صنعت منه بطلاً شعبيًا قويًا، ورغم حلم القومية العربية والوحدة، إلا أنه كان "متسلطا "لدرجة الجبروت، لكن ذلك لم يضع هيبة المواطنين في مصر، فكان للمواطن والوطن (هيبة) في كافة الدول العربية، وكان المجتمع ينعم بالاحترام والتقدير.
وكيف ترى عصر السادات، وخاصة أنك كنت من المقربين إليه في فترة من الفترات؟
كان عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، مليئاً بالتناقضات، وكانت مصر دومًا تلعب دور "المفعول به" وليس "الفاعل" إلى أن جاءت حرب أكتوبر 1973 وقامت بدور الفاعل بشكل عملي.. ولخص السادات فلسفته في الحكم في كلمته الشهيرة "الديمقراطية لها أنياب".
جلست مع مبارك والسادات.. فأيهما كان يمتلك سمات القائد من وجهة نظرك؟
كلاهما كان يفتقد سمة رئيسية من سمات القائد، وهي "الاستقلالية"، فكان الرئيس الراحل، أنور السادات، دائمًا ما يحب الذين يتوددون إليه ويمدحونه ويصفونه بالبطل، وكان دائمًا ما يسمع لهم، وكذلك الحال عند مبارك، الذي أسقطته حاشيته، التي تحكمت في البلاد والعباد.
وهل تعتقد أن مبارك فشل في التعلم من تجارب ناصر والسادات؟
لا نستطيع أن نوجز فترة حكم مبارك وكأنها فترة واحدة، وخاصة أن مبارك الذي عرفه الشارع المصري رئيسًا في عام 1981 لم يكن هو نفسه الذي قامت الثورة ضده، لكنه تحور وتحول بصورة كبيرة، بعد أن ترك العنان لمن حوله ينهبون خيرات البلد، وثرواتها بصورة ولدت كراهية الشارع ضد ذلك النظام.. وخاصة أنه مبارك كان يبحث عن "التوريث" بقوة دفع من حرمه سوزان مبارك، ما جعله يسلك مسالك مغايرة في إدارة البلد.. فكانت أن تولدت أسباب اجتماعية واقتصادية خطيرة لقيام الثورة.
ديكتاتور جديد
وبرأيك، هل يصنع المصريون ديكتاتورًا جديدًا عقب الثورة؟
لا أعتقد ذلك أبدًا، فثورة 25 يناير أعطت الثقة والثقل للمواطن المصري، وأعطت له جرأة الثورة من أجل احقاق الحق، وعلى أي نظام يحاول أن يحيد عن مطالب الثورة وأهدافها ومستهدفاتها. وفي تقديري، فإن أي رئيس جديد سوف يحكم مصر سيكون لديه علم مسبق بذلك، وسوف يضع صورة الرئيس السابق وهو بالسجن في مخيلته دومًا وقبل اتخاذ أي قرار.
تثار شكوك حول إمكانية تبني التيار الإسلامي سبلاً ديكتاتورية باسم الدين، وهي أخطر أنواع الديكتاتوريات؟
التيار الإسلامي الذي يسيطر على عدد كبير من المراكز القيادية في مصر الآن لا يستطيع أن يفرض سطوته أو ديكتاتوريته على الساحة، لأنه كما أشرت تعلم الدرس جيدًا، وأدرك بما لا يدع مجالا للشك أن تاريخهم النضالي لن يغفر لهم مطلقًا، وحتى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين لن يشفع لها إن أرادت السيطرة على الساحة السياسية أو فرض أي نوع من الديكتاتورية الدينية.
وكيف ترى التركيبة المجتمعية لمصر خلال المرحلة الحالية.. هل أحدثت الثورة تغيرات جذرية فيها؟
الثورة أكسبت الشارع المصري جرأة في احداث التغيير، وأعادت إليه الثقة في ذاته، فهو الذي قام بثورات كثيرة ضد المستعمرين، وضد الغزاة، أبرزها كفاحه مثلاً ضد الحملة الفرنسية، والثورة التي قام بها علماؤه كي يأتي محمد علي باشا واليًا في عام 1805، وهو الشعب الذي قام بثورة 1919، وأيّد ثورة 1952 التي أسقطت الملكية.
هل تعتقد أن هناك علاقة طردية بين الحكم الديكتاتوري وتدهور أحوال الأمم السياسية والاقتصادية والمجتمعية؟
من وجهة نظري ليس هناك علاقة، والتاريخ يثبت ذلك جيدًا، فخلال عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كانت مصر تحكم بالقبضة الحديدية، إلا أن ذلك لم يحرم الشارع المصري والاقتصاد المصري من تحقيق بعض الطفرات الاقتصادية والمجتمعية، وجني حصاد "إصلاحات الديكتاتوري".
من خلال خلفيتك التاريخية، ما أبرز العوامل التي تتوقف عليها النهضة في مصر؟
النهضة مصطلح شامل ومركب العناصر، ومرتبط بالإصلاح السياسي والاقتصادي.. وبشكل عام لابد أن يكون هناك اهتمام بالزراعة، وإعادة مكانة مصر في هذا القطاع الحيوي والمهم من جديد، وذلك هو المحك الرئيسي للتنمية في مصر، فضلاً عن الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي أثبتت أهميتها في تنمية أي أمة من الأمم، واعتمدت عليها تجارب العديد من الشعوب في معظم دول العالم أيا كانت متقدمة أو نامية.
