في تجمعات عشوائية وقفوا يهتفون ويطالبون بحقوقهم المشروعة.. العودة إلى العمل كانت واحدة من أهم المطالب، فبعد أن بيعت شركاتهم، بأبخس الأسعار لمستثمرين أجانب، وبعد أن تم إجبارهم على الخروج على المعاش المبكر، راحوا ينددون بالظلم.. صارخين ولا أحد يسمعهم، أو يسمعهم من يخشى الدفاع عنهم، فالنظام السابق كان يتتبع معارضيه، ويزج بهم في السجون، فقام بتطبيق خاطئ لسياسة الخصخصة، دفع الفقراء والعمال من مصر ضريبتها مضاعفة..
إلا أن المحامي وائل حمدي، أبى أن يصمت على كل تلك الإهانات التي يتعرض لها العمال، وكل تلك الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد المصري بسبب تلك السياسة الخاطئة، فراح يحرك جملة من القضايا ضد تلك الشركات التي تم خصخصتها، ويطالب بعودتها إلى حيازة الدولة مرة أخرى، خاصة أنه في الوقت نفسه كان محامي المهندس حمدي الفخراني صاحب الحكم الشهير في بطلان عقد مدينتي وكذلك قضيه بالم هيلز.
"البيان" حاورت وائل ليتحدث عن ملامح الشركات التي نجح في عودتها للدولة بعد خصخصتها، والبعد الاجتماعي الذي حارب لأجله، من وراء عودة هذه الشركات، فإلى تفاصيل الحوار.
متى كانت بداية سعيكم لاسترداد الشركات التي تم خصخصتها بشبهة من الفساد المالي؟
البداية كانت مع شركة "عمر أفندي"، حيث قمنا بتحريك دعاوى قضائية للمطالبة بعودتها إلى حيازة الدولة مرة أخرى، وذلك أثناء عهد النظام السابق، وتم الحكم في تلك القضايا إيجابياً بعد أيام قليلة من الثورة، لتفتح معها جملة من القضايا الأخرى، والحالات المماثلة.
وما أبرز تلك الشركات؟
بعد عمر أفندي حركنا قضايا عدة، عملنا في 3 منها بالتوازي، هي شركات طنطا للكتان وغزل شبين والمراجل البخارية، والتي نجحنا في إعادتها إلى حيازة الدولة مرة أخرى، بعد سنوات من القمع والفساد، وبعد أن قام المستثمر الأجنبي بالقضاء عليها، غير عابئ بالاقتصاد المصري.. وبعد ذلك حركنا قضايا لعودة شركات النيل لحليج الأقطان والشركة العربية للتجارة الخارجية إلى القطاع العام مرة أخرى، ونجحنا أيضاً منذ بضعة أسابيع في استردادها مرة أخرى.
ماهي آليات الاستعاضة بنظام الخصخصة الذي طبقه الرئيس السابق حسني مبارك؟
دعنا نتفق في البداية أن تطبيق الخصخصة ليس كله شر، فالخصخصة نظام عالمي متعارف عليه، لكن الخطأ الذي وقع فيه النظام السابق هو "التطبيق الخاطئ للخصخصة" بما يدمر الاقتصاد المصري، ويقضي على صناعات عدة موجودة فيه، خاصة أن المستثمر الأجنبي يقوم بتصفية الشركة وتسريح العمال، وبيع الآلات والمعدات.
وتحويل نشاط تلك الشركات إلى النشاط العقاري أو السياحي أو الصناعي فقط، غير عابئ بالاقتصاد، وأهمية تلك الشركات بالنسبة إليه، خاصة أن الدولة لم تحتفظ بنسبة لها في تلك الشركات تستطيع التحكم فيها جنباً إلى جنب مع المستثمر الأجنبي.
مستقبل غامض
وما مستقبل الشركات التي عادت مرة أخرى لحيازة الدولة؟
المستقبل لا يزال غامضاً، خاصة أن الدولة غير جادة في ذلك، فكنا نفاجأ أنها تقوم باستئناف الأحكام مرة أخرى، في دلالة واضحة على عدم احترامها للاقتصاد المصري، وذلك تحديداً خلال فترة رئيس الوزراء السابق الدكتور عصام شرف، لكنني أستبشر خيراً بالدكتور كمال الجنزوري، خاصة أنه رجل اقتصادي بارع، ولديه من الحنكة الاقتصادية ما يؤهله للإسهام في تطوير تلك الشركات، وبدء العمل فيها فوراً.
لكنّ عدداً من هؤلاء المستثمرين الذين تم نزع ملكية الشركات منهم هدّدوا باللجوء إلى التحكيم الدولي؟
أسهم النظام السابق في خلق "فزاعة" هي الإرهاب الدولي، فراح يشجع الاستثمار الأجنبي حتى لو طغى وجار على الاقتصاد القومي، وما أن طالب أحد بمحاسبة المستثمر أصبح "التحكيم الدولي" حجة، نخشى منها، ونخشى أن يذهب إلى التحكيم الدولي، فيقاضي مصر.. لكن لدينا في مصر كفاءات كبيرة في هذا المجال، وتستطيع التعامل مع تلك الملفات الخطيرة والحساسة، بما يرجح كفة مصر، خاصة أن تلك الشركات تم بيعها في ظل فساد مالي واضح الدلالة.
ما أبرز القضايا ذات البعد المجتمعي التي تعملون فيها الآن؟
كل قضايا العمال تحمل بعداً مجتمعياً مهماً، إلا أن قضية شركة "النيل لحليج الأقطان" التي انتهت وصدر الحكم بعودتها إلى الدولة مرة أخرى كانت بالغة الأهمية بالنسبة إلينا، خاصة أنها تتعلق بواحدة من أهم الصناعات في مصر، وهي القطن، والحليج والنسيج، وغيرها، فالقطن المصري تم "تقزيمه" في الاقتصاد المصري، على الرغم من كونه كان محركاً رئيسياً لهذا الاقتصاد قبل تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي. وكان لابد أن نحافظ على تلك الشركة التي تتعلق بهذا المورد المهم جداً..
كما أننا نعمل على قضية مهمة أيضاً تحمل بعداً مجتمعياً، ومن المقرر أن يتم النظر فيها من قبل المحكمة قريباً، وهي قضية "منجم السكري" وهي شركة مصرية استحوذ عليها مستثمرون أسبان، يقومون باستخراج الذهب من الجبال في مصر، ولذا قمنا بتحريك دعوى نطالب بعودتها إلى حيازة الدولة مرة أخرى، خاصة أن للذهب أهمية كبيرة في أي اقتصاد، وهذا هو البعد الاقتصادي، أما البعد المجتمعي فهو الإسهام في توفير الذهب في السوق المصرية لمساعدة الشباب على الزواج بعد ارتفاع نسبة العنوسة بمصر.
وكيف ترى شكل الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة؟
أي اقتصاد بالعالم يحتاج إلى استقرار سياسي، فما إن تحقق الرخاء السياسي، فبالضرورة يتحقق الرخاء الاقتصادي، وليس العكس، فليس شرطاً أن أي رخاء اقتصادي يتبعه رخاء سياسي، خاصة أنه ربما تقوم الدولة بالاستدانة من الخارج فتحقق رخاءً اقتصادياً، لكن تلك الاستدانة تفرض عليها التزامات خارجية صعبة، مثل وجود مراقبين دوليين لديها.
كيف ترى فكرة الاستدانة من الخارج؟
لا أحبذها، فلدينا البدائل التي تكفي مصر، وتحل الأزمات الاقتصادية الحالية، لكن لا يتم الالتفات أو الاهتمام بها، فعلى سبيل المثال قال أحمد كمال أبو المجد الوزير السابق ومحامي الشركة المصرية الكويتية، التي تم تحريك دعاوى قضائية ضدها لنزع ملكية 25 ألف فدان منها بمنطقة العياط، إن الشركة على استعداد لدفع تعويض لمصر تبلغ قيمته 7 مليارات دولار، لكن الحكومة رفضت، على الرغم من كونها تحاول الاقتراض من صندوق النقد الدولي ما قيمته 3 مليارات دولار فقط.
العاملون بالشركات العائدة إلى حيازة الدولة ينظمون مسيرات احتجاجية لأن شركاتهم لم يعد تشغيلها حتى الآن.. برأيك ما هي آليات إعادة التشغيل؟
أعتقد أن الدكتور كمال الجنزوري سيولي هذا الأمر عناية فائقة، خاصة أنه وعد بإعادة تشغيل نحو 1200 مصنع تم توقيفها عن العمل من قبل.. كما أن هناك آلية أخرى لتوفير السيولة لتلك المصانع لإعادة تشغيلها، مثل أن يتم بيع أحد أصولها أو فروعها كي يتم تشغيل باقي الفروع، وهذا أمر اقتصادي متعارف عليه.
ما أبرز مهام مجلس الشعب الجديد لحل الأزمة الاقتصادية الحالية؟
تلقى على عاتق البرلمان الجديد مسؤولية في غاية الأهمية وهي "التشريع" والجانب القانوني، فلابد من تعديلات جوهرية في القوانين المنظمة للاقتصاد المصري؛ كي يتم تجاوز تلك المرحلة الحرجة.
ألا تخشى من "أسلمة" الاقتصاد؟
بعد حصول التيار الإسلامي على الأغلبية بالبرلمان المصري أعتقد أن شكل الاقتصاد بالفعل سيتغير، وأتمنى أن يكون للأفضل، لكنه في كل حال لن يكون شبيهاً بالاقتصاد المصري خلال عهد النظام السابق.
