اعتبر وزير الإعلام الكويتي السابق سامي النصف أن «حسن النوايا» والابتعاد عن الصوت العالي و«المسؤولية الإعلامية» هي مفتاح خروج الكويت من شرنقة الأزمة السياسية التي تدور فيها منذ سنوات.
وبينما حمّل النصف، في حوار مع «البيان»، من وصفهم بنواب التأزيم مسؤولية ما اعتبره السلوك السياسي الخاطئ وتعثّر التنمية في الكويت.. أعاد الإصرار على التأزيم إلى «ثقافة سياسية خاطئة» ترى أن العمل السياسي لا يتم إلا عبر الضوء الإعلامي الباهر.. وحمّل الصحافة الكويتية مسؤولية جزء من هذا الثمن الباهظ الذي تدفعه الكويت «تشويهاً» لصورتها، وتعطيلاً للإنجاز.
وفي ما يلي أبرز ملامح الحوار بين «البيان» وسامي النصف:
ما هي الوصفة التي تراها مناسبة لعلاقة مثمرة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؟
أساس أي علاقة مثمرة بين أي طرفين هي إبداء حسن النوايا. فإذا غاب هذا الأمر كانت العلاقة متأزمة. لكن بوادر التأزيم بادية مع توعد بعض المرشحين باستجوابات حتى قبل الفوز؟
الآن، القيادة السياسية أرجعت الأمور إلى الشعب. في الكويت ليست هناك حياة حزبية حتى يتمكن الناس من معرفة البرنامج الانتخابي لأي مرشح، ولكن هناك صورة عامة، وهناك مرشحون يتوعدون من الآن، وهذا المرشح لا يخدع ناخبيه، بل هو يُقدّم بضاعته بهذا الشكل وهذا لربما لديه فهم خاطئ للعمل السياسي، وأن العمل السياسي لا يتأتى إلا من خلال التأزيم.
المطلوب هو التأزيم أم التشريع؟
بعض النواب للأسف يعتبر أن غياب صورته عن الصحف يعني أنه لم يؤد دوره السياسي.. هذه النظرة موجودة، وبخاصة في غياب التأهيل السياسي مثل الكونغرس الأميركي.. فعندنا يذهب المرشح من كرسي الديوانية إلى أهم كرسي سياسي في الدولة.
كما أن البعض لديه نظرة أن الحكومة متآمرة.. بينما هناك آخرون يعتبرون أن الدستور الذي يفترض علينا احترامه تنص مادته الـ 50 على فصل السلطات وتعاونها وليس فصل السلطات وتناكفها.. والصحيح الفهمان موجودان على الساحة السياسية، وإذا لم يغب قطاع كبير من القطاع المؤزم فذلك يعني اننا ماضون في التأزيم رغم انتهاء حقبة الشيخ ناصر المحمد التي كان البعض يدعي أنها حكومة تأزيم.. وصندوق الساحر لا يخلى. فبعض النواب يحب أن يلعب دور الفارس والبطل. وفي المقابل، الناس ملت التأزيم الذي أضر الكويت كثيراً.
تلقي باللوم على نواب مجلس الأمة، بينما يرى البعض أن الحكومة هي وراء التأزيم؟
لا أدافع عن الحكومة لأنني كنت عضواً فيها، بل المنطق يقول إنه لا يمكن للحكومة، أي حكومة، أن تبحث عن تأزيم.
هذا الأمر ثقافة سياسية خاطئة ترى أن العمل السياسي لا يمر ولا يتم إلا عبر الضوء الإعلامي الباهر. ونحن إذا طالعنا الصحف الأميركية لا نرى على صفحاتها الأولى محاضر جلسات الكونغرس، أو تصريحات للنواب والشيوخ، وكذلك الحال في الصحف البريطانية.
هل تحمل وسائل الإعلام وزر هذه الضجة؟
في العام 1962 عندما انطلقت الحياة البرلمانية في الكويت رأى الإعلام فيها حالة جميلة وآثر تسليط الضوء عليها كونها تجربة فريدة في المحيط العربي.. والآن نحن ندفع الثمن.
هناك العديد من الأمثلة على أن البعض تستهويه الأضواء، فالعديد من النواب الذين أصبحوا وزراء تغيّرت لهجتهم تجاه الحكومة، كما أن نبرة الصراخ تختلف لدى العديد من النواب بين كون جلسة الاستجواب علنية منقولة عبر التلفزيون وبين كونها مغلقة على وسائل الإعلام.
هل هذا استعراض؟
يشبه ذلك، فعندما تكون الأضواء مسلطة على بعض الجلسات نسمع كلاماً كبيراً وكأن الأمر فتح القسطنطينية.. كل ما نراه صراخ وسب.
أنا أعتبر أن هناك إشكالاً مؤسسياً في العمل السياسي لدينا.
غياب التأزيم.. أمل
ماذا تنتظر من الانتخابات المقبلة؟
نأمل أن تقل جرعة التأزيم.. بحكم أن الوزارة جديدة، وبحكم لمسي للتوجه للعزوف عن اختيار النواب المؤزّمين. وهناك رغبة في أن تمر الكويت بتجربة مختلفة خلال السنوات المقبلة تجربة مختلفة عن السنوات السابقة.
خيارات الإعلام
أنت وزير إعلام سابق وكاتب مخضرم.. ما المطلوب من وسائل الإعلام؟
الإعلام، وكذلك الديمقراطية، كالدواء إذا أخذت جرعة أقل من اللازم تتضرر وكذلك الحال إذا أخذت جرعة زائدة عن الحاجة.
بات الإعلام في العالم العربي أمام خيارات وتحديات: إما أن يكون إعلاماً مغيباً، كما كان في العراق وسوريا وليبيا وبعض البلدان.. أو إعلاماً فهمياً، أو إعلاماً غير منضبط لا أهمية فيه كالإعلام اللبناني، فاللبنانيون من أكثر شعوب العالم ثقافة وعلماً.. ورغم ذلك استمرت الحرب الأهلية 16 سنة في بلد لا تزيد مساحته 10 آلاف كيلومتر والسبب هو الإعلام الذي كان ينفث في أتون الحرب. والآن، الإعلام في العراق يقوم بالدور الخاطئ ذاته. والإعلام الكويتي يحتاج إلى كثير من المهنية وإلى كثير من المسؤولية.. فالحرية بلا مسؤولية خراب.
هذا فيه تقييم قاس للإعلام الكويتي؟
كلامي ليس مقصوداً فيه كل الإعلام، ولكن بشكل عام نحتاج إلى كثير من المهنية وإلى جرعات تدريبية للإعلاميين، بحيث يتحول العمل الإعلامي من هواية إلى احتراف. وهذا الأمر مطلوب في كل القطاعات: نحتاج إلى طبيب محترف، إلى وزير محترف، وإلى نائب محترف، ولكن الإعلامي هو الأخطر، فالطبيب غير المحترف قد يقتل شخصاً بينما الإعلامي غير المحترف قد يدمّر البلد.. لذلك نحن نركز على المهنية، وعلى ربط الحريات بالمسؤولية.
ما دور الناخب بعد هذه التجارب؟
50 سنة من التجربة الديمقراطية قد تعني سنة سيئة مضروبة 50 مرة.. إذا لم تكن لديك تنمية سياسية تنهض بالمجتمع فأنت لن تتقدم.
الآن، أي دولة خليجية تمتلك برنامجاً تعليمياً أفضل من الكويت وتشرع في عملية تنمية سياسية قد تتقدم على الكويت التي سبقتها بنصف قرن.. السنوات لا تعني شيئاً. فنحن في الكويت لم نخلق تنمية سياسية، وإلا لما كنا نرى هذا الكم من التأزيم الذي عرقل عملية التنمية.
المفروض من الديمقراطية أن تمنع الفساد، بينما مؤشرات الفساد لدينا في مستويات مرتفعة. والديمقراطية من المفروض أن تخلق نوعاً من التسامح المجتمعي، بينما الحدة في الطرح عندنا في مستويات مقلقة، مع غياب التسامح.
50 سنة من التجربة الديمقراطية ولا نزال كأننا في سنة أولى روضة.
تشاؤم
التشاؤم يغلب على تشخيصك؟
هذا الواقع، كنت أتمنى لو أن الواقع غير ذلك.
أين هي التجربة القدوة التي يمكن أن تستفيد منها الدول الخليجية أو العربية؟ عملنا السياسي في الكويت يخطو خطوة إلى الأمام واثنتين إلى الوراء. لأن الممارسة غير إيجابية بدلالة الكم من الأزمات.
لماذا لا ترشح نفسك لمجلس الأمة؟
عندما كنت وزيراً كنت عضواً في مجلس الأمة، بحكم المنصب، وشاهدت التجربة عن قرب، وأقول أن التجربة لا تسر.
لا يوجد ذلك الجو السياسي الراقي الذي يسعدك، أو تسعى للوصول إليه أو تتعب للوصول إليه.
وأنا أرى أن كل مسؤول كويتي يستحق أن يقام له تمثال في ساحة الصفاة، فالعمل العام طارد. وتحمل مسؤولية عشرات الآلاف من الموظفين والعاملين أمر لا يحتاج إلى أعباء إضافية.. وفي الكويت المسؤول لا يترك له المجال ليؤدي بتفرغ عمله الذي أؤتمن عليه.. التأزيم يلاحقه في كل وقت ليس لذنب اقترفه، وليس لفساد تورط فيه أو تقصير ارتكبه.. بل لحسابات أخرى. واللافت، أنه رغم كل هذه الاستجوابات لم تسترجع خزينة الدولة ديناراً واحداً، وهذا دليل آخر على أن الاستجوابات لم يكن أياً منها قائماً على معطى صالح عام أو معطى فساد حقيقي. والدليل أن العاصفة ضد أي وزير تتلاشى بعدما يترك كرسي الوزارة، وهذا يؤكد أن الخلاف والصراخ على الشخصية وليس على القضية.
