أكد مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنييف بريجنسكي في حوار خص به «البيان» خلال زيارة له إلى دبي مؤخراً، أن احتمالات التطور والنمو والعدالة الاجتماعية في العالم العربي ترتبط إلى حد بعيد بمدى أداء الاقتصاد العالمي، مشيراً الى أنه في حين يخوض العالم مرحلة من إعادة هيكلة في القوى والنفوذ العالمي، إلا أنه لن يكون هنالك تغيير دراماتيكي أو ثوري في هيكلة القوى الاقتصادية في العالم في الاعوام المقبلة، قائلا إن «الصحوة السياسية» التي تعيشها شعوب المنطقة والعالم ستزيد من أهمية موضوع توزيع الثروة في العالم.
ومشددا على أن الربيع العربي شعوبي في جذوره وقد يتحول إلى شتاء في حال تطرفت الحكومات المقبلة إسلامية أو قومية، حيث سيكون الامتحان الكبير في إيجاد الدول العربية لتوازن داخلي جديد بين الآراء الدينية لشعوبها من ناحية وبين مصالحها الوطنية من ناحية أخرى. وفيما يلي الحوار:
تحدثتم مراراً عن ضرورة أن تعطي الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة نموذج القيادة وليس الهيمنة، فكيف ستتمكن الولايات المتحدة من قيادة العالم في ظل توقعات بتفوق الصين عليها اقتصاديا في 2020؟.
القيادة تعتمد على عدة عوامل قد يكون الأداء الاقتصادي أهمها ولكنه ليس الوحيد، حيث تتعلق كذلك بمدى قدرة جاذبية نظامها السياسي، وإعطاء نموذج للعالم بالإضافة إلى مدى قدرة وصول الشعوب على الوصول والتأثير في النظام السياسي. نحن بالتأكيد نعيش في عصر لم تعد الشعوب فيه سلبية أو يمكن قيادتها بسهولة كما في السابق ولم تعد تستمع إلى الأوامر.
وهذه عوامل تساعد الولايات المتحدة في إطار عامل الجذب الذي ذكرناه. وهنالك أيضاً عامل جذب النظام التعليمي في الولايات المتحدة، خصوصاً الجامعات المتقدمة، حيث تفوق أعداد الدارسين هنالك باقي دول العالم، أي أن هنالك عدة عناصر في منظومة القيادة. وأعتقد أن التغيير من الهيمنة إلى القيادة هو أيضاً تغيير من سياسة فرض الإملاءات إلى سياسة التأثير. كما أعتقد أن ريادة الولايات المتحدة في تلك المجالات ستستمر في المستقبل.
مخاطر التطرف
يتردد في وسائل الإعلام الحديث عن المخاوف الغربية من تولي الأحزاب الإسلامية مقاليد السلطة في دول الربيع العربي، فهل تعتقد أن تلك المخاوف مبالغ فيها؟.
أعتقد أن تلك المخاوف تسيء فهم أو تتجاهل حقيقتين أساسيتين. أولاً، أن الربيع العربي قد يتحول إلى شتاء عربي، في حال تحولت الحكومات المقبلة إلى التطرف إسلامياً أو قومياً. ثانياً، العرب غالبيتهم مسلمون. فإذا أصبحت الحكومات أكثر تجاوباً مع المواقف الشعبية، فمن الطبيعي أن تعكس تلك الحكومات القيم والهموم الإسلامية.
العرب معظمهم مسلمون، ولكن ليس بالضرورة أن كل المسلمين لديهم نفس الفكرة عن الإسلام، فهم يفسرون دينهم بطرق مختلفة، والامتحان الكبير سيكون هو مدى نجاح الدول العربية في إيجاد توازن داخلي جديد بين الآراء الدينية لشعوبها من ناحية وبين المصالح الوطنية من ناحية أخرى.
وأعتقد أن تفاصيل ذلك ستكون مختلفة بين دولة وأخرى. فمصر مثلاً ليست لديها نفس الظروف الداخلية كما في المملكة العربية السعودية. وكلاهما مختلف عن إيران، وهذه نقطة مهمة. وأعتقد أن علينا القبول بأن ردود الفعل في العالم العربي ستكون مختلفة من دولة إلى أخرى.
واقع تاريخي
ما نوع التعقيدات الاقتصادية التي من الممكن أن تبرز على السطح في الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة؟.
المشهد الاقتصادي في المنطقة يعتمد إلى حد بعيد على الاقتصاد العالمي، لأن احتمالات التطور والنمو والعدالة الاجتماعية في العالم العربي ترتبط إلى حد بعيد بمدى أداء الاقتصاد العالمي. وما وراء ذلك، فإن على العالم العربي اليوم التعامل مع واقع تاريخي جديد.
وخلال الاعوام المئة الماضية، تتابعت عدة قوى في السيطرة على هذه المنطقة من العالم كان أولها الحكم العثماني، ثم بريطانيا وفرنسا، ثم رّحب العالم العربي «بالوجود» الأميركي كطريقة للتخلص من النفوذ البريطاني والفرنسي.
ولكن الوجود الأميركي نفسه أصبح مرهقاً لأنه لم يراع بشكل كاف الطموحات العربية. وفي بعض الحالات، فإن الحركات التي نادت بالاشتراكية القومية العربية مثل الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر على سبيل المثال كانت معادية للايديولوجية الأميركية. واليوم، فإن هذه المنطقة دخلت في مرحلة تريد فيها تقرير مستقبلها بنفسها.
ربيع شعبوي
هل لديكم أي مخاوف من أن يتحول الربيع العربي إلى نوع من الشعبوية وليس إلى صيغة ديمقراطية ذات معنى وهدف؟، وهل تتوقع أن يولد نظام ما من هذه الفوضى التي تعيشها بعض دول المنطقة؟.
لقد قلت مرات عدة أن الربيع العربي هو «شعبوي»، أي أنه انعكاس لتململ الشعوب العربية واستيائها من الأنظمة الديكتاتورية أو قياداتها الفاسدة. ولكن هذا بحد ذاته لا يضمن تحول الثورات الشعبوية إلى ديمقراطية بالضرورة. وليتم ترجمة الشعبوية إلى ديمقراطية، يجب أن يكون هنالك تقبل عميق لمبادئ تقبل التسوية وحرية التعبير والتسامح في حال اختلاف وجهات النظر وسيادة الدستور واحترام القانون.
ومن ثم المشاركة الديمقراطية. والحركات الشعبوية اليوم تختلف من دولة عربية إلى أخرى في ما يتعلق بتوافقها مع كافة تلك المبادئ. وبالطبع، أعتقد أن حق تقرير المصير في زمن الصحوة السياسية العالمية هو الأساس الوحيد للاستقرار.
أوضاع سوريا
مع بروز الجامعة العربية إلى واجهة الأحداث اليوم، كيف تقيمون عمل لجنة المراقبين في سوريا؟ وهل هي قادرة على التكفل بهذه المهمة؟.
لن يكون الوضع سهلاً، لأن الأحداث التي تحصل في سوريا اليوم معقدة جداً في جذورها، فهي تعكس عدم رضا الشعب عما يحدث محلياً هناك واستخدام الحكومة للعنف بشكل اعتباطي، ولكنها تشمل كذلك وجود منافسة هادئة وليست ظاهرة تماماً على السطح بين ايران وتركيا والسعودية على بسط النفوذ وكذلك مصلحة إسرائيل في بقاء سوريا ضعيفة. أي يجب النظر إلى الموضوع السوري من منظار إقليمي.
إلى ماذا تتوقع أن ينتهي الأمر في سوريا؟، وهل ستتمكن الولايات المتحدة من التأثير في الوضع هناك بشكل أو بآخر؟.
لن أتكهن بما ستؤول إليه الأحداث هناك، ولكني يمكنني القول ان ما يحدث في سوريا اليوم هو ليس مجرد انعكاس لمشاكل داخلية، ولكن مشاكل إقليمية كذلك. ويعتمد الكثير على سبيل المثال فيما إذا تمكنت تركيا والسعودية من التعاون، أو تم حصر النفوذ الإيراني، أو فيما لو لم تزد مصلحة إسرائيل بشكل أو بآخر في إبقاء سوريا ضعيفة من حدة الوضع هناك.
وأما في ما يتعلق باحتمالات حدوث حرب اهلية في سوريا، فأقول ان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ربما يعلم عن سوريا أكثر مني.
تعاون الجمهوريين والديمقراطيين يخدم الإصلاح
قال زبيغنيو بريجنسكي بشأن دعوته إلى أهمية توافق سياسات الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، وكيف يمكن لهذه السياسة المساعدة في حل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها واشنطن، إن سياسة تعاون الحزبين تساعد على تحقيق إصلاحات بعيدة الأمد في التأثير وتساعد على تقبل الشعب لتلك الإصلاحات.
وغياب سياسة التعاون بين الحزبين يعني وجود اختلاف في المصالح، وهذا يقود بالنتيجة إلى تعبئة تلك المصالح في طريق مواجهة غير حميدة. مضيفاً إن هذا من شأنه تعطيل السياسة العامة في الدول، وهذه من أهم المشاكل التي نواجهها اليوم في الولايات المتحدة حيث تصبح الحلول المرغوبة هدفاً لمناقشات مريرة لا تنتهي وتضييع وقت القيادة السياسية.
ورداً على سؤال حول رسم استراتيجية استثمار واضحة وسط كل هذه التعقيدات، قال بريجنسكي: «يجب تطبيق استراتيجيات واضحة في أبعاد مختلفة، وأنا لست خبيراً اقتصادياً أو قادراً على إعطاء نصائح للمستثمرين ولكن أتطلع بشكل شامل إلى التوجهات التاريخية والتغييرات الجيوسياسية من زاوية ما نوع التوازن العالمي الذي يمكن من خلال تحقيقه والحؤول دون حدوث انهيارات أو اختلالات جيوسياسية على صعيد واسع».
العالم لم يدرك تماماً حجم الصحوة السياسية في العالم
قال مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق بريجنسكي إن العالم لم يدرك تماماً ربما حجم الصحوة السياسية في العالم. وأضاف ردا على سؤال حول قوله في إحدى محاضراتكم إنه «للمرة الأولى في تاريخ البشرية، يتم تفعيل كافة شعوب الأرض تقريباً ليصبحوا مدركين سياسياً ومتفاعلين سياسياً»، أن تأثير تلك الصحوة ستكون على عدة مستويات، منها أنها ستزيد من أهمية موضوع توزيع الثروة في العالم، مضيفاً أن الشعوب لن تتقبل إلى الأبد وجود أنظمة تعتمد على حكم نخبة سياسية صغيرة - بموجب الأيديولوجيا أو الإرث - لتملي الكيفية التي يجب أن يتم من خلالها توزيع الثروة.
واوضح بريجنسكي أن العالم لن يتقبل بعد اليوم نظاماً سياسياً ينتج عن التعددية الاقتصادية خلاله تباين كبير في الدخل. وحتى في الولايات المتحدة ذات الاقتصاد الحر على سبيل المثال، نجد أن الأصوات بدأت تتعالى ضد توزيع الثروة الوطنية غير العادل.
