أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام الدكتور عبدالمنعم سعيد، أن البرلمان المصري الجديد، الذي جرت مراحله الانتخابية لاختيار أعضائه قبل أيام، كان بمثابة اختبار قوي للشارع المصري، وقد عبره برغم أحداث ميدان التحرير، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن البرلمان لن يشهد أغلبية من أي تيار سياسي حتى التيار الديني الذي تزداد شعبيته الآن بمصر عقب الثورة.
وأضاف في حواره مع «البيان» أن «وثيقة السلمي» بمثابة الشرارة الأخيرة التي فجرت ثورة ميدان بالتحرير من جديد، التي أسقطت حكومة عصام شرف، التي تفتقد - بحسب وصف سعيد الحس السياسي في التعامل مع الأزمات.. فإلى نص الحوار.
ما تقييمك للوضع الحالي وما تشهده مصر من أزمات متتالية؟
الوضع في مصر غير مطمئن، فعلى الرغم من المكاسب التي حققتها الثورة، والتي أسقطت نظامًا عتيدًا مثل نظام مبارك، إلا أن الأوضاع ازدادت تدهورًا خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما كانت له تأثيرات سلبية مباشرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية بمصر، ففقد العديد من الموظفين أعمالهم، حيث أسهمت القرارات الحكومية التي اتخذتها حكومة شرف المستقيلة في المزيد من التأثيرات السلبية في الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، ما أدى بدوه إلى حالة من الاحتقان على المشهد المصري بشكل عام.
إذاً أنت تعتقد أن حكومة شرف المستقيلة السبب المباشر في أحداث التحرير وتصاعدها؟
نعم، الحكومة فشلت بكل المقاييس، وافتقدت في العديد من المواقف الحنكة السياسية، كما فشلت في السيطرة على الشارع وإعادة «هيبة الحكومة» مرة أخرى، وراحت تنفذ سياسات غير رشيدة لمعالجة الأزمات، كما أنها قامت بطرح سلسلة من الموضوعات المهمة والحيوية للنقاش المجتمعي في موعد غير مناسب مثل وثيقة المبادئ فوق الدستورية التي يشرف عليها علي السلمي، نائب رئيس الوزراء.
والتي أدت إلى إفساد حالة الهدوء النسبي بالشارع، وجعلت المليونيات تعود بقوة إلى الميدان، وتسفر عن كل تلك الأحداث المؤسفة الأخيرة.. وفي السياق ذاته، فإن الحكومة عندما فقدت هيبتها أمام الشارع سمحت لقوى أخرى للقفز على الشارع، وتحريكه، وإظهار قوتها على الحشد.
أتقصد الإخوان المسلمين أو قوى التيار الإسلامي عموما؟
نعم.. فالقوى الإسلامية هي أكثر القوى التي استفادة من ضعف حكومة شرف، وفشلها في إدارة العديد من الملفات المهمة والحساسة التي هي من عميق مسؤوليتها.
ألا ترى أن «وثيقة السلمي» كانت السبب المباشر في إفساد العلاقة بين الحكومة والشارع؟
في الحقيقة العلاقة متوترة منذ البداية، وكانت «وثيقة السلمي» بمثابة الشرارة الأخيرة التي أشعلت الثورة من جديد بالتحرير، وأسهمت في كل تلك التطورات؛ التي أدت إلى إسقاط حكومة عصام شرف.. ولا أعلم تحديدًا لماذا جاءت تلك الوثيقة الآن على الرغم من وجود وثيقة الأزهر، وهي وثيقة قادرة على مساعدة البرلمان الجديد على وضع دستور جديد للبلاد، بعيدًا عن الانسياق وراء كل تلك الأمور التي أفسدت وعكرت صفو الشارع.
لكن المجلس العسكري تقع عليه مسؤولية كبرى في أداء الحكومة المرتبك.. ألا ترى ذلك؟
أعتقد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قام بدوره كاملاً منذ بداية الثورة وحتى الآن، ومع ذلك نحن لا ننكر بالطبع أن هناك أخطاء، فلكل مرحلة أخطاء معينة، وكانت أبرز أخطاء العسكر هو التباطؤ في اتخاذ مجموعة من القرارات المهمة، التي يراها الشارع السياسي ذات أهمية قصوى، مما جعل سهام النقد توجه إليه خلال الفترة الأخيرة ويطالب ثوار التحرير برحيله، لكن لا أحد ينكر أنه حمى الثورة وأسهم في نجاحها.
في ظل استمرار توتر العلاقة بين الشارع والشرطة.. هل تعتقد أن الانتخابات البرلمانية جرت بأمان؟
لقد كنت متخوفًا جدًا من العملية الانتخابية، خاصة أن الأمن لم يكن بصورة كاملة حتى ، لكن تكاتف الجميع أدى لإنجاح تلك المهمة الصعبة، والفاصلة في تاريخ مصر، خاصة أن الانتخابات البرلمانية هي أهم مرحلة الآن، وكانت اختبارا قويا وصعبا لكل القوى السياسية وقوى الشارع أمام العالم بأسره.
كيف ترى شكل المجلس التشريعي المقبل وسط تلك التحديات الراهنة؟
كما أشرت في البداية لن توجد فيه أغلبية لأي تيار بعينه، ولكنها ستتوزع بين مختلف التيارات، بقيادة حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب الوفد، صاحب التاريخ العظيم، ثم باقي الأحزاب والقوى السياسية الأخرى.
«الفلول» أو أنصار الحزب الوطني المنحل.. ماذا تتوقع أن تكون نسبتهم في برلمان الثورة؟
أعتقد أنه سيكون لهم أيضًا جزء من تلك الكعكة السياسية، ولكن لا يمكنني تحديد حجم تمثيلهم بدقة.
وماذا عن فرصة الشباب؟
كان لشباب الثورة فرص هائلة في اقتناص أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان المقبل، إلا أن تشرذمهم لأكثر من فئة وحركة وائتلاف، وبين أكثر من حزب ووجهة نظر، قلل من فرصتهم، لكن لا أحد ينكر أنها فرصة قائمة حتى الآن، خاصة أن المجلس الجديد سيكون «كوكتيل سياسي».
لكن بنسبة ضئيلة جدًا؛ نظرًا إلى حداثة سنهم، وعدم شهرتهم في الأوساط المحيطة بهم جيدًا، مقارنة بكبار السن وبآخرين من الشخصيات البارزة، والحال نفسه بالنسبة إلى الأحزاب، فحداثة الحزب أو قدمه عنصر مهم في الحكم عليه من قبل الناخبين.
برأيك.. متى يعود الاستقرار إلى الشارع المصري مرة أخرى؟
أعتقد أن الأمر يستلزم فترة معينة، خاصة أنه سيعود تدريجيًا مع حسم الانتخابات البرلمانية ووجود مجلس تشريعي منتخب من قبل الشعب، على أن يعود كامل الاستقرار عقب اكتمال النظام السياسي بوجود رئيس منتخب.
القاهرة- دار الإعلام العربية
