استبعد إبراهيم بولحية رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الأمة «الشيوخ» الجزائري، حدوث أي انزلاق للأوضاع في بلاده إلى ثورة شعبية مثل ما وقع في تونس ومصر وبلدان عربية أخرى، وأوضح أن الحكم في الجزائر هو من عرض الإصلاح استجابة لتطلعات الناس عكس ما حدث في البلدان التي وقع بها التغيير، حيث كانت الأنظمة متأخرة عن تلك التطلعات فتجاوزتها الأحداث.
. جاء ذلك في حوار مع «البيان» في العاصمة الجزائر، واتهم فيه المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا بخدمة أجندة خارجية لتشويه سمعة بلاده. كما تحدث عن المعوقات التي عطلت اتحاد المغرب العربي وعن علاقات الجزائر مع المغرب.
نبدأ من الحدث في الجزائر، وهو حزمة الإصلاحات التي طرحها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كيف تقيمونها من حيث المحتوى والزمن الذي جاءت فيه؟
رئيس الجمهورية، كان يتابع من موقع المسؤول الأول على الدولة نبض الشارع والقضايا المطروحة للنقاش، ومجمل ما عرضه في ورقة الإصلاحات التي أعلنها كان محل نقاش من القوى الفاعلة في المجتمع والأحزاب السياسية، .
والشخصيات والمجتمع المدني. وقد كان موجوداً في ساحة النقاش حول طبيعة النظام السياسي وغلق المجال السياسي وتعديل الدستور وحول قانون الانتخاب وقانون الأحزاب السياسية وقانون الإعلام، وهذه النقاط تضمنها خطاب الرئيس وأعلن أنها محل إصلاح. وهو لم يقررها بشكل انفرادي، بل جاءت بإجابات على انشغالات مطروحة في الشارع. ولو نعود لما جرى في بعض دول الجوار، .
كانت المطالب الشعبية متقدمة بكثير على ما طرحته السلطات في هذه الدول، وقرارات القيادة السياسية كانت متخلفة. لقد طرح الرئيس الدستور للتعديل وهو متاح أمام الفاعلين للإثراء والنقاش، واختيار طبيعة النظام السياسي والقواعد الدستورية المؤسسة للمجتمع الجزائري مستقبلاً، وكذلك الشأن بالنسبة لبقية المشاريع القانونية المطروحة للتعديل.
من هذا المنطلق، أعتبر الخطاب تأسيساً لجمهورية جديدة. وقد قال الرئيس إنه سيتم تشكيل لجنة دستورية من كل الأطياف، لم يقص أية جهة أو أي تيار، وقال إن هذه اللجنة ستضم أحزاباً في الحكم وأخرى في المعارضة وأخرى لم تعتمد بعد، والآن يبقى على الفاعلين أن يبرهنوا على حسن نواياهم في بناء جمهورية جديدة قوامها الحرية والديمقراطية.
قرار غير صائب
إصلاحات الرئيس تبقي على المؤسسات القائمة كما هي، فيما المعارضة ترى أن النظام غير قابل للإصلاح من الداخل وطالبت تبعاً لذلك بحل البرلمان وانتخاب مجلس تأسيسي سيد، لإعداد دستور جديد لجمهورية جديدة. ألا ترون أن الرئيس تغاضى عن مطلب المعارضة؟
مع احترامي لكل الآراء، لا أعتقد أن هناك عاقلاً يقبل بمسح كل ما بنته الجزائر منذ الاستقلال. الناس تسير للأمام، لا أعتقد أن هذا القرار صائب، ويصب في مصلحة الشعب الجزائري. العاقل عندما يجد لبنة يضيف عليها أخرى، لا يهدم ما بناه. البرلمان الجزائري موجود منذ أكثر من ثلاثين سنة، والتشكيك فيه يعني التشكيك في كل القوانين التي صادق عليها. تقول نسبة المشاركة في الانتخابات التي أتت بالبرلمان الحالي كانت ضعيفة (أقل من 35 بالمائة)، أشاطرك الرأي، لكن هذا موجود في كل برلمانات العالم.
. والبرلمان الحالي فيه أكثر من عشرين حزباً، وليس جبهة التحرير التجمع الوطني الديمقراطي فقط. لا ينبغي التشكيك في شرعية البرلمان. ما سيتم إقراره من طرف اللجنة المشكلة للدستور هو الذي سيمر. هل من شأن الإصلاحات أن تقي البلاد عدوى الثورات التي تعصف ببعض الدول العربية؟
إذا صدقت النيات وشاركت الطبقة السياسية بغالبية وأعطت رأيها بفعالية وديمقراطية في تجسيد هذه الإصلاحات، وتكون الأحزاب المطلوب منها المشاركة في مستوى طموحات الشعب، ستحقق هذه الإصلاحات بناء دولة ديمقراطية، تمارس فيها الحريات كاملة وتؤمن بالديمقراطية والتداول على السلطة، .
وتعمل وفق المعايير الدولية في بناء مؤسسات ديمقراطية، بشرط أن يكون المسعى من دون إقصاء أو تهميش. وهذا بالذات ما هو مطلوب في البلدان التي وقعت فيها أحداث في المدة الأخيرة، حيث طالب الناس بالحريات وبالديمقراطية.
توحيد الرؤية
عمر اتحاد المغرب العربي الآن أكثر من عشرين عاماً، ومنجزاته لا تكاد تذكر بالقياس إلى الزخم الذي انطلق به العام 1989، ما دواعي ذلك في تقديركم؟
في حقيقة الأمر، اتحاد المغرب العربي يشكل انشغال وتطلع شعوب المنطقة على اختلاف أقطارها. هذا الانشغال ضارب في جذور التاريخ. محاولات الاتحاد والتكتل انطلقت منذ القدم واستمرت قبل استقلال الجزائر عندما انعقد مؤتمر طنجة بالمغرب في 1958. .
وآنذاك قدمت جبهة التحرير الوطني جدول عمل ونظرتها لتصور بناء المغرب العربي، ثم تلقتها محاولات بعد الاستقلال، وكان ذلك في 1964 بتأسيس العديد من الهياكل على مستوى الدول العضوة. أما بداية الاتحاد الجديد، اتحاد المغرب العربي، فكانت في مؤتمر قمة زرالدة «غرب العاصمة الجزائر» في العام 1988، .
حيث تم تأسيس اللجنة التحضيرية الكبرى لصياغة المعاهدة والأسس التي يبنى عليها الاتحاد، ثم معاهدة مراكش في 17 أبريل 1989. وهذه المعاهدة بطبيعة الحال من بين ما تضمنت خلق مؤسسات لهذا الاتحاد الذي كان يستهدف في ظل التحولات الدولية العالمية التي أصبحت تؤمن بأهمية تقارب دول تضم أكثر من 100 مليون نسمة موزعة على فضاء جغرافي مساحته أكثر من خمسة ملايين متر مربع، وبالتالي كان يتعين الاستجابة لتطلعات هذه الشعوب من حيث الوحدة وخلق فضاءات للتعاون في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، .
وتنسيق مواقفها في التحرك الميداني على جميع المستويات. هذا الانشغال دفع بالمجلس الشعبي الوطني (البرلمان) إلى الإسراع بتجسيد معاهدة الاتحاد من خلال تأسيس مجلس شورى الاتحاد أو نواة للبرلمان المغاربي، وفعلا تم تأسيس هذه المؤسسة بسعي من الشعبة الجزائرية، التي بادرت إلى دعوة الشعوب المغاربية الأخرى، .
وحدد تاريخ الذكرى الأولى لقمة زرالدة الموافق لـ 10 يونيو 1989 لتأسيس الاتحاد، وفعلاً استجابت كل الشعب المغاربية الخمس لدعوة الشعبة الجزائرية، فجاء إلى الوجود مجلس شورى اتحاد المغرب العربي، تحت رئاسة رئيس المجلس الشعبي الوطني آنذاك، الراحل، رابح بيطاط، بحضور الحكومة الجزائرية ووزراء مغاربيين.
. كما شرع في تأسيس هياكل جديدة منها الهيئة القضائية في موريتانيا والأكاديمية المغاربية في طرابلس، والأمانة العامة للاتحاد في المغرب، والتفكير في مصرف مغاربي بتونس، فيما اختيرت الجزائر كحاضنة لمجلس شورى الاتحاد.
الاتحاد المغاربي
البرلمان واحد من أهم مؤسسات الاتحاد المغاربي ما المساهمة التي يقدمها لتجاوز الأوضاع الحالية وتطوير آليات عمل الاتحاد؟ وما المنجزات أو المشاريع المشتركة التي حققتها أو يجري تحقيقها بين البرلمانات المغاربية؟
بالنسبة لمجلس الشورى الذي كنت عضواً فيه، هو مجلس استشاري، يقدم الرأي، ويدرس ما يحال إليه من قادة الاتحاد. من هذا المنطلق، بادر مجلس شورى الاتحاد بدراسة العديد من المواضيع، مثل توحيد التشريعات وتسهيل تنقل الأشخاص وتدعيم التجارة المغاربية البينية والإعفاء الجمركي، هذا ما تم تجسيده في الكثير من الدراسات في مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد.
وفي هذا الصدد تم التوقيع على 37 اتفاقية مست جميع مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقد نجحنا حتى في التوصل لخلق أروقة على مستوى المطارات والموانئ لتسهيل تنقل الأشخاص البضائع، وتنسيق مواقف الدول الخمس في الكثير من المسائل والقضايا السياسية والاقتصادية.
. وحتى بين موقف الجزائر كطرف حريص على إنجاح هذا التوجه، فقد صادق على أكبر قدر من الاتفاقيات المغاربية، فاقت ثلاثين اتفاقية، في حين أن بقية الأطراف الأخرى تراوحت مصادقتها على الاتفاقيات المغاربية، ما بين 5 و21 اتفاقية فقط، فتونس وليبيا وموريتانيا كان عدد الاتفاقيات التي وقعت عليها ما بين 20 و21، أما المغرب فلم توقع سوى على خمس أو ست اتفاقيات.
المحيط الاقتصادي
لماذا في تقديركم لم يتوصل الاتحاد ومن ضمنه البرلمان المغاربي حتى الآن للتعامل مع الأطراف الخارجية ككتلة؟ وهل ثمة إجراءات للتقدم بهذا الاتجاه؟
آخر دورة لمجلس شورى الاتحاد انعقدت في الجزائر، وبطبيعة الحال نحن كبرلمان جزائري حالياً هو من يرأس هذه المؤسسة المغاربية التي يوجد مقرها بالجزائر بعد انتقال الرئاسة من تونس.
وأعتقد أن الإرادة السياسية والبرلمانية للجزائر، هي ضرورة تفعيل مؤسسة اتحاد المغرب العربي والقيام بعمل أكبر من أجل مواصلة هذا البناء ودعمه لفائدة شعوب المنطقة، سواء في علاقاتنا مع الآخرين أو في خدمة الشعوب المغاربية، خاصة وأن المحيط الاقتصادي يحبذ التعامل مع مؤسسات إقليمية
. وحتى هذه المؤسسة هي فائدة هذه الشعوب وهذه الدول، لأن تكتلها يجعل تأثيرها كبيراً، وهذا ما تم فعلاً. غير أن هذا الاعتبار لم تأخذه بعض الدول الأعضاء في الاتحاد بجدية، على غرار المغرب وتونس، بحيث أبرمت اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوربي بشكل منفرد، وهذا ما أثار استغراب الجزائر، التي اعتبرت ذلك أمراً غير مقبول، وأعتقد أن تداعيات ذلك لا تزال ماثلة أمام الجميع.
هل يمكن توحيد الرؤية التشريعية بين دول الاتحاد؟ إن كان الجواب بالإيجاب ما المستوى الذي بلغه المشروع؟
هذا ما عملنا من أجله منذ 1989، خاصة من حيث التشريعات، كل مقومات التوحيد متوافرة وموجودة، فتشريعاتنا متشابهة وليست بها فوارق جوهرية، بحكم العامل الجغرافي والماضي التاريخي وطبيعة التركيبة البشرية.
. فلو نأخذ مثلا قانون الأسرة، فسوف لا نجد اختلافات كبيرة بين الدول الخمس، بحكم أن جميعها تتبنى المذهب المالكي.. لقد شكل الاتحاد عامل تقارب بين دول المنطقة، ومكن من فك العزلة على بعض الدول مثل ليبيا في ذلك الوقت.
