«ليس الشقاء أن تكون أعمى، بل أن تعجز على احتمال العمى».. بهذه الكلمات وصف دكتور أحمد شوقي العقباوي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر حال المصريين في جلسة تحليل للأوضاع الراهنة والظروف الاجتماعية في الآونة الأخيرة، موضحا أن هناك حالة عامة كان يعيشها المجتمع المصري من الإحساس بقهر الذات وفقد الأمل، وعندما أصبح غير قادر على احتمالها خاصة الشباب انفجرت «ثورة الغضب».. «البيان» تعرف من خلال د. العقباوي على طبيعة الشخصية العربية، وطبيعة الجيل الثوري الذي تأثرت به كثيرا من البلدان المحيطة، وكيف أثرت عليه ثورة الاتصال، وطبيعة رؤيته المستقبلية.. وغيرها من التفاصيل التي نتعرف إليها عبر السطور التالية.

استهل «العقباوي» جلسته التحليلية بقوله أن ثورة الشباب المصري كشف أننا موتى الإحساس وأضاف لقد تحرك المتظاهرون وتداعيات الأحداث التي أوضحت نبلهم، وأنهم ليسو مدفوعين من أي جهة كما حاول البعض الترويج، مؤكدا أنهم يدركون جيدا أن لكل ثورة ضحاياها ولا يمكن وقوعها دون دفع الثمن، فزاد قوتها وشرفها أن ثمنها غال لأن المدفوع فيها هو دم مئات الشباب الذين استشهدوا حتى الآن.

ووصف العقباوي ما يحدث الآن مع موجة انتشار الديمقراطية والرغبة الحقيقية لدى الشباب في التحرر، والتي تتناغم مع ثورة الاتصالات بشكل عام بأنها شكلت لدى الشباب فكر ثوري تم التخطيط له في العالم الافتراضي ومن ثم تم تنفيذه على أرض الواقع، دون توجيه أو وصاية من أحد.. مؤكدا أن هذا الجيل يختلف اختلافا كبيرا عن الأجيال السابقة التي تعودت الاستكانة.

وأشار إلى أن انتفاضة شباب مصر أكدت أنهم أكثر ثقة بذاتهم، وأنهم ليسو الشباب المستهتر العابث الذي دأبت وسائل الإعلام على إظهاره، وأنهم يمتلكون أدوات العصر، من إجادة اللغات وثقافة التعامل مع مختلف وسائل الاتصال والتقنية، كما أصبح لديهم رؤية نقدية، على الرغم من أنهم كثير ما اتهموا في وطنيتهم، وأنهم شباب بلا انتماء ولا عزة ولا كرامة، وهذا ما ثبت كذبه وبهتانه على هؤلاء الشباب.

ورفض العقباوي بعض العبارات السلبية التي كانت تتردد من قبل، ومنها «متقولش إيه ادتنا مصر.. قول هندي إيه لمصر»، مؤكدا أن شباب ‬25 يناير أكدوا أن عكسه هو الصحيح، وأنهم أكثر وطنية من أي مزايد عليهم، متسائلا: كيف نطلب من الشباب أن يكون لديه انتماء ونحن نفتقر إلى حقوق المواطنة التي تعتمد على الحماية ورؤية مستقبلية جيدة، بينما أجيالنا محبطة لا ترى بصيص ضوء في أي نفق.. مؤكدا أن انتماء الشباب لن يعود بـ«خطبة جمعة ولا عظة أحد».

 

ثورة بلا قائد

وأكد أن للشباب رؤيتهم للواقع وتنفيذهم له بدأ بانتفاضة شبابية صارت ثورة شعبية، وذلك أشبه بـ«الثورة الفرنسية» لأنها ليس لها قائد واحد يبلور شعاراتها، وأيضا أزمة كنيسة القديسين أعادت ما حدث في ثورة ‬1919 مع اختلاف صوره من توحد المسلمين والمسيحيين في كيان واحد، وهذا لا يعبر سوى عن أصالة الشعب، فـ«كلنا في الهم مصريون».

ورفض د. العقباوي القول بوجود تشابه بين ما حدث في تونس وما يحدث حاليا في مصر مؤكدا وجود اختلاف كبير بين الحالتين واصفا ما حدث بتونس بــ«هبة شعبية» تلقائية ليس وراءها حزب ولا مخطط لها، وما هي إلا إحساس شخص بالمهانة تزامن مع إحساس كل فرد، وخرجوا للشارع وأسموهها ثورة، مؤكدا أن ما يحدث شىء عظيم، والفروق تتمثل في صغر الكتلة السكانية في تونس مقارنة بمصر، غير ارتباطها بالغرب خاصة فرنسا، ولديها قدرا كبيرا من العلمانية التي ينفر منها المصريون.. وانتشار التيار الديني هناك بشكل عام نادر جدا، غير تيار الإسلام السطحي الظاهري إسلام الشعائر، بخلاف الحال في مصر، حيث أن المصريين متدينون بطبعهم.

وأكد «العقباوي» أن مصر صاحبة أقدم دولة مركزية في العالم، ولديها جهاز بيروقراطي قوي، فلم تتحرك كما تحركت تونس، لأن الثورة في حاجة إلى تنظيم، والشباب هنا قاموا بتنظيم ثورتهم دون وصاية من أحد.

وفيما يخص الواقع العربي أكد «العقباوي» أن هناك سمة مشتركة بين كافة الشعوب العربية وهي أنها استمرأت العيش تحت حكومات قاهرة ومتسلطة، لكن تختلف درجة القهر التي تمارس من قبل هذه الحكومات على شعوبها، وذلك وفقا لاقتصادها وسياستها واستراتيجيتها وطبيعتها الخاصة، فهناك شعوب مقهورة سياسيا لكنها في بحبوحة اقتصادية، وآخرون يشعرون بالاستبداد بمعدلات أكبر ولديهم رغبه حقيقية في التغيير اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، لكن بصفة عامة الشعوب العربية تتصف بالأبوية وتؤمن أن «القيادة أب»، وتربطها علاقة عاطفية تسمى في علم النفس «التوحد مع المعتدي» على الرغم من كرههم للأنظمة الحاكمة.

وأوضح أنه ثبت على مر التاريخ أن القيادة الناجحة تعبر عن الأمة وطهارة اليد باعتبارهم عاملين أساسيين، مدللا بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان لديه رسالة ورؤية استراتيجية واضحة، لها تأثير بعيد المدى، موضحا أن من حكموا بعده ليس لديهم أي ثقل ولا رؤية مستقبلية، وأنهم كانوا تحت مستوى الشبهات. وعن الحكام العرب في الوطن العربي أوضح أنهم يتسمون بالذكاء والحكمة والتمرس على الحكم، ولفت إلى أن الرئيس مبارك في خطابه الأخير لم يقصد الضغط على الوتر العاطفي لدى المصريين كما يقول البعض، إنما كان صادقا، لكن رد الفعل الشعبي كان عاطفيا، وهذه طبيعة متأصلة في المصريين.

 

حلم قومي

«البشر لن يتغيروا حتى تتغير ظروفهم»، بهذا عبر العقباوي عن ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والإنسانية والعلاقات المختلفة بين أبناء المجتمع وبعضهم، موضحا أن المجتمع ككل بات مختلفا عن ذي قبل، فعلاقة الرجل بالمرأة اختلفت، والتربية والمعاملات والممارسات ونظرتهم لبعضهم تغيرت كثيرا، حتى الحب تغير.

واختتم جلسته النفسية باحتياجنا إلى حلم قومي، وحدد مواصفاته بأنه أولا لابد أن يكون هناك رؤية وحلم قومي محدد وفق رؤى سياسية واقتصادية تنتهجها الدولة، ثم يتجسد هذا الحلم في عدد من المشروعات، ثم يترجم إلى خطة استراتيجية تعمل بها كل الدول وتلتزم بتنفيذها والتخطيط لها، مؤكدا إننا نعيش بلا تخطيط ولا بد أن يكون هناك مجموعة من الأهداف في جميع مجالات الحياة (زراعه وصناعة.. ألخ).

ويشير إلى أن المصريين عاشوا في عصر عبدالناصر حلم وأمل، ثم أصيبوا بالإحباط وفقدان الأمل، ثم بدأت «التولة» ــ أي موت الإحساس ــ تنتاب المواطن المصري، فالتولة والإحساس بقلة الحيلة والمهانة البشرية توصل إلى الاكتئاب والإحباط كما لو كانت علاقته بالواقع مجهولة، وبدأ يتعامل مع الواقع كأنه قدر «كل ما يحدث الآن لدينا قدر لا سبيل للتصدي له»، مشددا أننا لم نتعود سوى على رؤيه القبح والقذارة، وأنه لابد من مواجهة الواقع، ولو تم استغلال كل ما لدى الشعوب العربية من إمكانات سيتحولوا إلى دول عظمى إذا وجدوا الإرادة السياسية لذلك.