قال نائب وزير الخارجية الاميركي الأسبق ريتشارد أرميتاج ان اي تحريك لعملية السلام بين الفلسطينيين واسرائيل يتطلب من الولايات المتحدة ان تقوم بطرح خطة سلام خاصة بها. وأضاف في حوار مع«البيان» أن الولايات المتحدة لم تتراجع عن إمكانية حلّ الدولتين ،مشيرا الى ان لحظة الاعتراف بدولة فلسطينية، سيأتي وقتها. لكن الإدارة (الاميركية)لا تبدو أنها جاهزة للإقدام على هذه الخطوة في الوقت الحالي.

وبالنسبة للشأن العراقي الرئيس أوضح ارميتاج أن المهمة القتالية للقوات الأميركية، ستبلغ نهايتها نهاية العام الجاري،لكن ستبقى هناك بعثة تدريبية،وكذلك قوة لضمان الحماية والأمن للدبلوماسيين وبحجم ليس بالألوف.

وأكد ان تقسيم السودان واقع لامحالة،خصوصا وان الغالبية تؤيد الانفصال،داعيا السودانيين جميعا سواء الشمال أوالجنوب الى التعامل مع الوضع المقبل«بعقلية رجل الدولة».تاليا نص الحوار.

ما الذي حصل حتى أعلنت الإدارة نفض يدها بالصورة المحرجة المعروفة، من موضوع المستوطنات؟

أولاً،إذا لم يكن بمقدورنا إقناع الجانب الإسرائيلي بالحكمة من وراء وقف بناء المستوطنات فإننا لا نستطيع رشوته،كي يقبل بذلك.الواضح لي الآن، أن أي تحريك لعملية السلام بات يتطلب أن تقوم الولايات المتحدة بطرح خطة خاصة بها. وحتى اللحظة لم تقم بعد بهذه الخطوة.

خطة سلام

هل كان العطب في مقاربة الإدارة، التي قامت على تقديم الحوافز لإسرائيل وعلى صيغة التجميد المؤقت للتوسع الاستيطاني؟

الحوافز يمكن أن تكون فعّالة.لكن على كلا الجانبين، أولاً،أن يرى بأن له مصلحة في العملية. الجانب الفلسطيني، رأى ذلك. أما بالنسبة لإسرائيل، أن يكون الوقف المؤقت للبناء في المستوطنات مقابل حصولها على صفقة مقاتلات بعدة مليارات من الدولارات، لا قيمة سياسية له. فإسرائيل ستحصل على هذه الطائرات، في كل حال.لذلك كما قلت وأكرّر أنه بات علينا أن نضع على الطاولة خطة خاصة بنا.

إذاً حان الوقت لوضع«الخريطة»من دون «طريق »، لأن هذه الأخيرة استعصى العثور عليها؟

« خريطة الطريق» عندما طرحت عام ‬2002 وكان آنذاك الرئيس عرفات ما زال حيّاً؛ كان لها ما يبررها. في ذلك الحين كنا نواجه ظروفاً صعبة وكان علينا إخراج عرفات أكثر من مرة، من«المقاطعة » في رام الله . الآن، نعم نحن فعلاً في وضع من أضاع«الطريق». صارت هذه الأخيرة مظلمة. وما تسميه ب«الخريطة »، هو ما عنيته أنا ب «الخطة». وقد آن أوانها.

حدّدت إدارة أوباما، أواخر الصيف الماضي، مدة سنة لانجاز مطلب الدولة الفلسطينية. هل ترى أنها عازمة على تحقيق خلال هذه الفترة، بعد الذي شاهدناه ؟

لا أعتقد. لكن هل ينبغي أن نقوم بذلك ؟ في اعتقادي أن الولايات المتحدة لم تتراجع بالضرورة، عن إمكانية حلّ الدولتين. ولحظة الاعتراف بدولة فلسطينية، سيأتي وقتها. لكن الإدارة لا تبدو أنها جاهزة للإقدام على هذه الخطوة في الوقت الحالي.

هناك توجه، في الآونة الأخيرة، لنقل هذا الملف إلى الأمم المتحدة. ما رأيك ؟

لا أعتقد أنه بالإمكان المضي في هذا التوجه. ولا أرى أنه قد يعزّز فرص السلام.

لا في الجمعية العمومية ولا في مجلس الأمن ؟

لست متأكداً من أن واشنطن تقبل بذلك، في مجلس الأمن. هذا ليس رأيي. بل هذه هي الحقيقة.

قوة لضمان الحماية

من المقرر أن يكتمل الانسحاب من العراق مع نهاية العام الجاري. هل الموعد نهائي؟

الرئيس أوضح أن المهمة القتالية للقوات الأميركية، ستبلغ نهايتها في هذا الموعد. لكن ستبقى هناك بعثة تدريبية. وبالتأكيد باقية هناك أيضاً قوة لضمان الحماية والأمن للدبلوماسيين وبحجم ليس بالألوف.

أية قواعد عسكرية أميركية بعد نهاية العام ؟

ربما تستقر القوات الباقية في مجمعات. أو في قواعد عراقية.لا أعرف التفاصيل.

كيف ترى العلاقة بين البلدين، في مرحلة ما بعد الانسحاب هذا ؟

سئل مرة رئيس وزراء الصين الأسبق شو إن لاي: هل تعتبر أن الثورة الفرنسية كانت تجربة ناجحة؟ أجاب : ما زال من المبكر الحكم عليها .

طبعاً لا نحتاج لمثل هذه المدة للحكم عل التجربة في العراق. لكن في ذات الوقت يمكن القول أن الوقت لم يحن بعد،لتقييمها. هناك قوى عراقية مناهضة لأميركا والعلاقة معها. السيد مقتدى الصدر أوضح ذلك، مؤخراً بعد عودته. وحتى الرئيس المالكي قال إن وقت الرحيل الأميركي قد حان. وهناك قوى أكثر تفهما للعلاقة مع أميركا. اليوم هناك عراق مختلف: صار بلد له دستور، وحكومة منتخبة. كما هناك احترام لحقوق المرأة. وبكل حال علينا الانتظار قبل أن ننطق بالحكم.

ما هي برأيك، العناصر الأساسية لمصالحة وطنية قادرة على الصمود ؟

لابد أن يكون من بينها احترام حقوق الأقليات والمعتقد والملكية الفردية. كما يبدو أن العراق مقبل على حصاد ثمار ثروته النفطية. توزيع العائدات بصورة سليمة، من شأنه أيضاً تعزيز مسيرة الوحدة الوطنية وبناء البلد. لكن المؤكد أن العنف في العراق لم تطو صفحته بعد. ومن جهة أخرى، أنه لن يمثل تهديداً لجيرانه بعد اليوم. الصورة غير واضحة تماماً.

بعد تشكيل الحكومة، ولو غير مكتملة؛ هل يبدو الوضع أنه سائرفي الاتجاه الصحيح ؟ كيف يمكننا أن نعرف وقد استغرقت تسعة أشهر لتأليفها ؟ فذلك كان علامة سلبية. لكن كون أن قوى علمانية وغيرها قد شاركت في التركيبة، فهذا بحد ذاته علامة جيدة تفيد بأن الإمكانية نحو الأفضل متوفرة.

النووي الايراني

يلاحظ أن الملف النووي الإيراني قد هبطت درجة سخونته مؤخراً. هل يؤشر ذلك إلى ابتعاد شبح المواجهة العسكرية ؟

أعتقد ذلك. حتى البعض في إسرائيل تحدث مؤخراٍ بلغة حذرة في هذا الخصوص. الاعتقاد المتداول أن إيران ما زالت بعيدة سنة أو ربما ثلاث سنوات، عن امتلاك سلاح نووي. والحكومة الإيرانية لديها صعوبات في الداخل. لذلك تبدو النبرة وكأنها قد خفتت قليلاً في الآونة الأخيرة.

يتردد أن إدارة أوباما لعبت دوراً في تبريد الأجواء؟

الوزيرة كلينتون ومسؤولون آخرون زاروا المنطقة أكثر من مرة. وذلك بغرض تطمين أصدقاءنا بأن واشنطن متابعة لهذا الملف.

تقسيم السودان

التصويت جرى في استفتاء السودان. التوقعات تتحدث عن التقسيم. إذا حصل، هل ستكون الدولة الوليدة عبئاً آخر على القارة أم خلافه ؟

اعتقادي أن الغالبية تؤيد الانفصال. إذاً السودان في طريقه إلى التقسيم. المعروف أن الموارد في الجنوب وطريق الإمدادات يمر في الشمال. وعليه فالأمر يتوقف على الخرطوم وما إذا كانت في وارد وضع ترتيبات لصالح الطرفين.لقد عملت مع الوزير كولن باول لإنهاء الحرب الأهلية وحالفنا النجاح في ذلك. وعلى هذه الخلفية، أريد أن أكون في صف المتفائلين ولو قليلاً، بنجاح هذه المسيرة على يد السودانيين أنفسهم، بعد الحروب الكثيرة التي عانوا منها.

السودانيون جميعهم، في الشمال والجنوب؟

طبعاً. لكن الأمر يحتاج إلى مواقف من طراز التي يتخذها رجال الدولة.

هناك مخاوف من تطورات دراماتيكية خلال الفترة الانتقالية. لاسيما وأن هناك قضايا هامة وحساسة ما زالت عالقة؟

بالتأكيد.ويمكن أن تتسبب بوجع راس.لكن ليس بالقدرالكبير.ولادة بلد، مسألة مؤلمة. الاستفتاء ربما أثار الفرح في الجنوب. لكن بعد الولادة على الجنوبيين التفكّر في كيفية تسيير المولود . ولتحقيق ذلك على الخرطوم والجنوب التحلي بمسئولية رجل الدولة.

تردد أنه كانت هناك صفقة ؟

جزء من الصفقة، قبل خمس سنوات، كان إجراء الاستفتاء مقابل وقف الحرب. وهذا كان واضحاً للجميع. والكل وافق. وها نحن اليوم أمام الاستحقاق.

التخوف الرئيسي الآن، من ما يسمى ب«عدوى»الاستفتاء وخطر انتقاله إلى باقي مناطق أخرى في السودان. ما مدى جدّية هذا الخطر؟

نعم، أشارك في مثل هذا النوع من التخوف منذ أزمة البلقان. لكن هناك عوامل أساسية لا بدّ من توفرها. فقيام دولة يتطلب أن يكون لديها ما يكفي من الوزن لتكون مكتفية ذاتياً. فليس من المناسب اللجوء إلى الاستفتاء، إذا كان البلد لا يمتلك هذه المواصفات.

يعني ذلك أنه إذا ارتفعت أصوات في دارفور تطالب بالاستفتاء، فإن على الولايات المتحدة عدم مجاراتها ؟

لا أدري ماذا سيكون عليه الموقف الأميركي. صحيح المصالح لها اعتبارها. لكننا نتدخل غالباً من باب دعم حقوق الإنسان. لكنني لا اعرف كيف سيكون الموقف طالما لا أعرف شيئا عن ظروف اللحظة، في مثل هذه الحال.

أزمة

إسلام اباد لاترى في «طالبان باكستان» تهديداً

ردا على سؤال بشأن الاقتراح على الإدارة الاميركية أن تعمد إلى مفاتحة الصين والسعودية بهموم الملف الباكستاني،وهل يعني ذلك أن واشنطن لم يعد لها نفوذ في إسلام أباد ؟ قال ارميتاج: بداية، باكستان بلد كبير سكانه حوالي ‬177 مليون نسمة. وهي نسبياً بلد فتي. ثم أنها لم تعرف أبداً، منذ زمن محمد علي جناح؛ حكما جيداً. إذن هذا مجتمع لم ينل، منذ ‬1947، أي شيء من حكوماته. وبالتالي، نحن أمام مشكلة كبيرة. ثانياً،الولايات المتحدة، عليها مسئوليات دولية، من ضمنها باكستان وأفغانستان. لذا نحن بحاجة إلى مساعدة. الصين لها علاقات خاصة مع باكستان. السعودية أيضاً. وربما تركيا. علينا اللجوء إلى كل ما يتيسر في هذا المجال لجعل باكستان دولة معتدلة. المهمة صعبة.

وردا على سؤال ان هناك في واشنطن من يدعو إلى توجيه نوع من التحذير الأخير لباكستان، من أجل حملها على التعاون المرغوب بشأن طالبان،وهل مثل هذه اللغة مثمرة ؟ قال ارميتاج ان قناعتي أن الحكومة الباكستانية لا ترى أن طالبان بلادها تشكل نوعاً من التهديد للدولة. وفي الواقع، سقط للجيش الباكستاني العديد من عناصره في المواجهات مع طالبان. أما بالنسبة لطالبان أفغانستان، فإن إسلام أباد لا تبدو أنها في وارد وقف دعمها لهذه الحركة إلاّ إذا عرفت على أي وضعية سترسو الحال في كابول وأبدت موافقتها عليها. بخلاف ذلك، ستواصل دعمها لطالبان هذه.

تقييم

الجميع في أفغانستان خائف من الانسحاب الاميركي باستثناء «طالبان»

في رده على سؤال :في تقرير «فريق العمل المستقل »الذي كنت على رأسه، قلت أنه على الإدارة تقييم الوضع على الأرض لجهة«ما إذا كان الذي تحقق عسكرياً يبرر الكلفة» في حرب أفغانستان. لكن التقييم الذي قدّمه الرئيس أوباما مؤخراً كان أقرب إلى الضبابية. لماذا غاب الوضوح ؟ قال ارميتاج: أولاً، اعتقد أن الإدارة أدركت الخطأ الذي ارتكبته عندما وعدت بتقديم مراجعة شاملة في ديسمبر الماضي. بتحديدها ذلك الموعد، جعلت كل التركيز مصوّب على تقييمها المرتقب. لم تدرك أنه كان من الأنسب إجراء مراجعة عامة أواخر العام الماضي والانتظار حتى يوليو القادم لتقديم العرض الشامل. ثانياً، ما قصدناه في التقرير حول تقييم التقدم الذي حصل، يتعدّى عمليات قتل طالبان. فهذا هو الشق السهل. الشق الأصعب، يتعلق بتدريب الجيش وقوات الأمن والعمل على تأهيل المسئولين وموظفي الحكومة وتحصينهم ضدّ الفساد. بالنهاية، تكون الحصيلة جيدة بقدر ما تكون الحكومة التي ندعمها جيدة. وهذه الأخيرة ليست كذلك.

وردا على سؤال بشأن امكانية المواعيد التي حددتها الإدارة الاميركية للانسحاب من أفغانستان،قال ان كل شيء ممكن. بوسعنا أن نغادر غداً. لكن ليس هذا خياراً جيداً. لقد لمست أثناء زيارتي لكابول، أن الجميع خائف من هذا الطرح. فيما أبدت حركة طالبان بالغ ارتياحها للفكرة. هي تقول دائماً، أنها باقية هناك لكن الأميركيين راحلون وأن عامل الوقت لصالحها. من هنا أقول بأن فكرة تحديد مواعيد الانسحاب، ليست موفقة. لكن إنصافاً للإدارة، لا بدّ من القول بأن تحديد يوليو القادم كموعد لبدء الانسحاب، من شأنه حث وزارتي الدفاع والداخلية في كابول؛ على تسريع عملية التجنيد. الرئيس يقول بأن انسحاب يوليو المحدود، مرهون بتحسن الأوضاع. لكن بحلول ‬2014، يقول أن المهمة سيجري نقلها إلى الحكومة الأفغانية. هل يتحقق ذلك ؟ لا أدري.