شهدت آلية تنفيذ المحرقة أو الهولوكوست التي قتلت الملايين إرغام بعض السجناء أو تطوعهم لمساعدة النازيين في القيام بمهام الذبح والقتل المروعة. وأطلق على هؤلاء الأشخاص المذمومين تسمية الـ«كابوس» أو موظفي السجن، ولم ينج منهم إلى إلا قلة قليلة فقط. إلا أن التعبير لا يزال قائماً على الرغم من أصله الغامض ومعناه الجلي الذي يصوّر الكائنات الأكثر شراً، والتي يطلق عليها ديفيد فريدمان مع ذلك اسم أعضاء مجموعة اليهود الليبراليين. أما فريدمان فهو من وقع عليه اختيار الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ليكون سفير واشنطن في إسرائيل.
وهناك المزيد، إذ نعت فريدمان الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه معادٍ للسامية، في خطوةٍ لا تتسم بالتشهير وحسب، بل بالتفاهة التي تثبت عدم رجاحة عقل صاحبها وتدل على شيء من العنصرية إذا صح القول.
وتعتبر تسمية ترامب لفريدمان إهانة مزدوجة، إذا أثار بقراره هذا استياء المجتمع اليهودي الليبرالي، الذي لم يقدم له الدعم بأي حال. ويعارض هذا المجتمع عموماً بناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، ويفضل الذهاب في حل الدولتين ولا تجمعه الكثير من القضايا المشتركة مع حركة الاستيطان الدينية أو القومية.
إلا أن الإهانة التي وجهها ترامب للعالم العربي قد تكون تداعياتها أخطر، حيث إن فريدمان لا يدعم بناء المزيد من المستوطنات وحسب، بل يبدو معارضاً لإنشاء الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية كما يرغب بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب حيث كان مقرها لعقود إلى القدس. وذلك علماً أن السياسة الأميركية لطالما أكدت أن نقل السفارة لا يمكن القيام به إلا من ضمن اتفاقية شاملة، لا يعتبر التوصل إليها قريباً حتى.
وإذا قامت الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس فإنها توجه بذلك صفعة للعالم العربي، يستغلها تنظيم «داعش» لتجنيد مزيد من المقاتلين في صفوفه. كما قد تؤدي إلى نشوب حالات من العنف المؤدي إلى انتفاضة أخرى ربما. وقد ينجم عن ذلك مقتل الكثير من الناس من ضمنهم أميركيين. ومع أن فريدمان زائر دائم لإسرائيل يقدم ولاءه الشديد لها باستمرار، فإنه لا يعلم شيئاً على ما يبدو عن المنطقة.
ولم يتضح بعد ما إذا كان فريدمان يتحدث بلسانه أو نيابة عن الإدارة الأميركية المقبلة، علماً أنه من أصدقاء ترامب ومن المنطقي أن تتفق وجهتي نظر الرجلين حول إسرائيل. ومن المؤكد أن لديه نزعة ترامب للقدح والإهانة والكذب، ويبدو أنه يتماهى برغبة صديقه في ضرب الأمور عرض الحائط وتحدي المنطق التقليدي. وفي حين أن ذلك يعتبر مقبولاً أحياناً إلا أنه يكلف حياة الناس في الشرق الأوسط.
سيشهد مجلس الشيوخ الأميركي حالة من الانقسام بشأن فريدمان الذي لا بد من رفض تسميته للمنصب قطعياً. إنه خطر على عملية السلام في الشرق الأوسط، كما يمثل تهديداً لحياة الأميركيين أنفسهم وللاعتدال والخطاب المدني. أما بالنسبة للشرخ الذي أحدثه باستعماله «كابوس»، فأمر لا يمكن أن ينكره لأنه أكده قولاً وكتابة. وإذا وافق مجلس الشيوخ على تسميته للمنصب فيكون بذلك قد صادق على تشبيه الليبراليين والمعتدلين اليهود بأولئك الذين ساعدوا النازيين يوماً. ولا يمكن في هذه الحالة من تصور سيناريو أكثر سوءاً.
اتهام
نسب فريدمان هوما عابدين، المساعدة المسلمة السابقة لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون إلى جماعة الإخوان المسلمين. واحتل الاتهام مكانة عالية على قائمة أكاذيب الحملة الانتخابية الأكثر إثارة للغضب.
وكرر فريدمان طويلاً بأنه سيكون خيار ترامب لشغل منصب في إسرائيل.
