لم تتصف الأحوال في منطقة الشرق الأوسط يوماً بالإنصاف أو النزاهة، والحرب السورية وحدها تنطوي على عشر صراعات منفصلة قوامها عشرات مجموعات المقاتلين المتناحرين سعياً للسيطرة.
وقد انتابنا في العام 2012 شعور بالعجز الناجم عن تعقيدات تلك الحرب وترجيحاتها التي تجسّدت بنشوء «داعش»، ذاك التنظيم الإرهابي الذي تحول مع الوقت إلى مجموعة تفوق بعض النظم الحاكمة خطورةً.
وتعود جذور الإحساس بالعجز إلى جرح العراق، وقد استبدلت عجرفة التدخل الليبرالي برهبة التدرجية الحذرة، وأصبحنا مهووسين بقدراتنا المتضائلة لتحسين الأوضاع، وبتنا أكثر إدراكاً بالمخاطر ومحدودية أجندتنا الاستخبارية، غير واثقين بدوافعنا، خائفين من فرض قيمنا.
مثال الترويع
وقد أتى رد الفعل الذي أبديناه على ظهور تنظيم «داعش» شديد التمهل، وكان حري بنا أن نخلق ممرات آمنة في سوريا لأن خمولنا وامتناعنا عن التحرك قد بعث برسالة للعالم مفادها أننا لن ندفع ثمن حماية المدنيين ونفرض تطبيق السلوك الإنساني. وأسفرت النتيجة أن تحولت سوريا إلى ملعب للأشرار حيث تقف حلب مثالاً على الترويع الأفظع، بما في ذلك القصف الروسي العشوائي وقنابل غاز الكلور والبراميل المتفجرة وانتشار الميلشيات الأجنبية، التي تعيث قتلاً في أوساط المدنيين العزَّل.
ويظهر نظام الرئيس السوري بشار الأسد في المدى المنظور على أنه صاحب اليد الطولى في غرب سوريا، في ظل خسارة «داعش» للأراضي. إلا أن سقوط حلب يرسل في المدى البعيد موجات ارتدادية عبر الشرق الأوسط تستمر لعقود من الزمن. أما الأطراف المتحالفة مع الأسد فقد حصدت جميعاً غنائم الصراع القائم.
وكان لدخول روسيا على خط الصراع السوري عقب تراجع الولايات المتحدة تأثير وحشي. وأصبح لزاماً اليوم في تحوّل ملفت لمجرى الأحداث، أن تدخل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في وساطة مع روسيا منبعثة النشاط، علماً أن سقوط حلب شكل مكسباً كبيراً لبعض الأطراف الإقليمية، التي أصبحت تتباهى اليوم ببسط سيطرتها على رقعة تمتد من بغداد وصولاً إلى دمشق وبيروت.
تساؤلات مقلقة
أضف إلى ذلك أن أحداث حلب قد طبّعت جرائم الحرب، حيث أصبح القصف الجوي العشوائي للمدن واستعمال الأسلحة الكيمياوية أمراً شائعاً.
وقد عاد تنظيم القاعدة إلى البروز في خضم الصراعات في سوريا، وسط تساؤلات حول محاولاته تجنيد آلاف العناصر في السنوات العشر أو الخمسة عشر المقبلة.
ويتجلى الدرس الحقيقي الواجب على قادة الغرب تعلمه من أحداث حلب في وضع حدّ نهائي للتدرجية الحذرة. إذا إن ما نحتاج إليه اليوم بالإضافة إلى تقييم حجم مخاطر التحرك، هو توفير عنصر الموازنة بين تلك المخاوف والتأثير المستقبلي المدمّر للامتناع عن التحرك. ولا بد من الأخذ بالاعتبار أن مفاد الرسالة التي سنبعث بها سيكون له تبعات مثيرة للهلع.
سرعان ما سيعمد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى الإفصاح عن الصيغة المحيّرة لسياسة الانعزالية العدوانية في منطقة الشرق الأوسط. وتترافق هذه الخطوة مع سيطرة أجواء من القلق في أوساط حلفاء أميركا إزاء تعاظم سطوة القوى الأكثر خطورةً في المنطقة. وقد حان الوقت كذلك لبريطانيا أن تتخذ القرار اليوم بشأن نوع القيم والمصالح التي ستبدي استعداداً للقتال من أجلها.
تحالفات
من المرجح ألا تقتصر النتائج العرضية لأحداث حلب على عودة التحالفات التي شكلها النظام السوري. وإذا ما عدنا بالتاريخ إلى الوراء نلحظ أن الاتحاد السوفييتي قد اجتاح أفغانستان عام 1989، في حين سلّحت الولايات المتحدة ما كان يعرف بالمجاهدين، وأنتجت الحرب حركة طالبان وتنظيم القاعدة. واستغرق تجسّد التهديد على الأرض سنوات طوال في كل من لندن عامي 2001، و 2005. ويبدو تنظيم «داعش» حالياً في مرحلة تقهقر.
ويتمحور السؤال اليوم حول كيفية إعادة «داعش» تنظيم صفوفه. وما هي المنطقة المتسيبة التي سيطلق عملياته منها، هل ستكون الجزائر أو تونس أو سيناء؟ كما تدور التكهنات حول هوية هدف عملياته المقبلة، فهل سيكون موسكو، واشنطن أو لندن؟
