في هذا العالم المرتبط بعضه ببعض حد الإفراط، وفيما كان موقع «تويتر» يفيض بالتغريدات والصور المروعة من حلب، بدت المشاهد قريبة من الواقع إلى حد أنه كان بإمكان المرء أن يشتم رائحة الدماء. لم تكن المشاهد من مصادر عشوائية بهدف الدعاية، بل من نشطاء كانوا يسردون رواياتهم التي تم تأكيدها من قبل مراقبين في الخارج، وبعضهم أصدقاء وأقارب للاجئين في أوروبا.
كان هؤلاء ينتظرون الموت أخيراً، ويغردون برسائل وداع إلى مثواهم الأخير. ولم تكن مناشدة "يونيسيف" من أجل انقاذ 100 طفل محاصرين في مبنى مجرد قصة إخبارية، كانت تعبيراً آخر عن آلة الحرب للرئيسين السوري بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين.
أحد البريطانيين أعرب عن قلقه وعجزه عبر الإنترنت، بتغريدة: «لماذا لم يتم عمل شيء، لماذا لم تساعد الحكومة البريطانية؟». لكن للتدخلات البريطانية في بلدان الشرق الأوسط تاريخ طويل معيب مشبع بالأخطاء وسوء النوايا.
ومع ذلك، فإن مشروع القانون الذي اقترحه رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون في أغسطس الماضي شكل أفضل فرصة لنا للحفاظ على ممرات آمنة لمساعدة المدنيين وإخلاء المدن المحاصرة في سوريا. من غير المرجح أنه كان سيضمن سلاماً طويل الأمد في البلاد، لكن كان من شأنه أن يظهر للأسد ولبوتين، بأن الفظائع ضد المدنيين سوف تلقى رداً عسكرياً، وأننا كنا جادين في التزامنا بحفظ السلام.
عبارات حازمة
وكان مقترح كاميرون مدروساً بعناية وديمقراطياً كما كان يمكن أن يكون عليه أي اقتراح بالتدخل البريطاني، محاولاً التوصل إلى إجماع في البرلمان، على الرغم من المبدأ القديم الذي يفيد بأن الملكة ووزراءها بإمكانهم التفويض بالقوة العسكرية من دونه.
وفي ما يلي العبارات الحازمة للمشروع: «يعتقد مجلس العموم أنه يجب أن يكون لمجلس الأمن الدولي الفرصة للنظر على الفور في هذا البيان الموجز، وبذل كل جهد ممكن للتأكد، قبل اتخاذ أي إجراء، من اتخاذ قرار في مجلس الأمن داعم لتحرك عسكري، ويلحظ أنه قبل أي تورط بريطاني مباشر في مثل هذا العمل إجراء تصويت آخر في مجلس العموم البريطاني.
ويلحظ أن هذا القرار يتعلق فقط بالجهود الرامية لتخفيف المعاناة الإنسانية، عن طريق ردع استخدام الأسلحة الكيماوية، ولا يجيز أي عمل في سوريا له أهداف أوسع نطاقاً».
لننظر في الطبيعة اللينة الاستثنائية لهذا الاتفاق، وتصوروا أي مشروع قانون آخر يلزم فيه رئيس الوزراء نفسه بالعودة إلى مجلس العموم من أجل تصويت ثان قبل سن أحكامه. فمن صوت ضده لم يصوت ضد احتمال رد عسكري على استخدام الأسلحة الكيماوية فقط، بل صوت ضد موضوع لم يسبق أن طرح من قبل في البرلمان.
لعبة سياسية
من يدعي الآن أنه كان من الممكن أن يقبل بحل وسط مقدم من جانب كاميرون ينبغي أن يوضح لماذا هلل مبتهجاً بالهزيمة التي لحقت به في مجلس العموم. هذا لم يكن رداً مدروساً، بل كان لعبة سياسية لتقويض رئيس الوزراء.
فمن يغرد اليوم بغضب عن عدم قيام «الحكومة البريطانية» بأي شيء، ليسأل نفسه كيف يبدو هذا الأمر، القيام بشيء ما. ومن يعتقد أنه كان من الممكن مساعدة حلب من جانب الحكومة البريطانية، ومن جانب الإجماع الدولي الذي سعى كاميرون للتوصل إليه بحماس في عام 2013، فإنه ينبغي عليه القبول بأمرين.
الأول هو أن الرئيس بشار الأسد ليس حليفاً لنا، وأنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية. ثانياً هو أنه لإحداث أي فارق في الوضع، ولو حتى لتشغيل عدد قليل من الطائرات، فإن الرجال والنساء البريطانيين سيضطرون لارتداء بدلاتهم العسكرية ويتوجهون نحو أراض أجنبية.
تيريزا ماي، مع كل حياديتها المعتادة تجاه الانقسامات داخل حزب المحافظين، شاركت في رعاية مشروع قانون كاميرون في عام 2013. فلا تعتقدوا أن وزراء الخارجية البريطانيين من المحافظين قد تجاهلوا القضية، وتواطؤوا بطريقة أو بأخرى في هذا البؤس. ولا تعتقدوا انه بإمكان ضمائرنا أن ترتاح، وأن يتجنبوا عناوين الصحف غير المريحة، مع عدم المخاطرة بأرواح البريطانيين.
مسؤولية
من يستحق اللوم في قضية حلب أكثر من غيره هم الصحافيون الذين يمكن رؤيتهم على صفحات كل الصحف يرددون دعاية الرئيس السوري بشار الأسد. ويمكن رصد هؤلاء الصحافيين من خلال استعداداتهم لتحديد مقاتلي تنظيم «داعش» بأنهم هم المقاتلون في حلب، وفي رفض التقارير عن الوفيات بين المدنيين في المدينة. فلنسألهم عن سبب تركيز النظام أخيراً على حلب المليئة بالمدنيين، بدلاً من منع «داعش» من الاستيلاء على تدمر مجدداً.
ومن استهلك مثل هذه الدعاية عن طيب خاطر، فإنه أيضاً لعب دوراً في الذنب الذي اقترفناه، أخيراً. كذلك تقع المسؤولية على من قال لشركة استطلاعات الرأي انه لن يصوت لنائب أجاز اطلاق رصاصة واحدة.
