إذا تدخلت المخابرات الروسية فعلاً بالانتخابات الأميركية كما حذّر مسؤولون، وكما تعتقد وكالات الاستخبارات الأميركية الآن «بكثير من الثقة»، فإن لذلك عواقب وخيمة على السياسة الداخلية الأميركية، من خلال تعميق الانقسامات ضمن الدوائر السياسية والاستخباراتية، وبين الناخبين أنفسهم.
لكن الانتخابات الأميركية ليست وحدها، وهذه ليست سوى أحدث حلقة ضمن سلسلة أحداث شهدها العالم من المحتمل أن تغير طريقة تفكيرنا بالتاريخ المعاصر في مرحلة ما بعد عام 1989.
وكان البرلمان الأوروبي قد أيد ما جاء في تقرير لجنة أوروبية حول الدعاية العدائية المستوحاة من الكرملين والمناهضة للاتحاد الأوروبي، والتي تستغل مراكز الأبحاث والمنافذ الإعلامية ومتصيدي الإنترنت.
في جميع أنحاء أوروبا، يشتبه بأن روسيا على مدى سنوات، كانت تعطي دعماً وتحصل على دعم من أحزاب قومية متطرفة متعصبة مثل، حزب الاستقلال البريطاني، حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، والحركة من أجل مجر أفضل، والفجر الذهبي في اليونان.
وفي جمهورية تشيكيا، كانت تربط رئيسي البلاد على التوالي، فاكلاف كلاوس وميلوس زيمان، علاقات حميمية مع روسيا، وكانا متعاطفين مع السياسات الخارجية المناهضة للغرب. وفي المجر، فإن كلا من حكومة فيكتور أوربان التي تمثل أكبر أحزاب المعارضة، و«الحزب من اجل مجر أفضل» هما من المشككين باليورو، ومن الأصدقاء المتعصبين لروسيا.
وإذا كان من الممكن إثبات بشكل قاطع أن وكالات تجسس روسية استحوذت في الولايات المتحدة على معلومات حصلت عليها بالسر، واستخدمتها في التأثير على نتيجة الانتخابات الرئاسية، فإنه يجدر التذكير بوجود حالات أخرى، مثل هذه الخروقات على الإنترنت برهنت على أنها عوامل في تحويل تيارات المد والجزر السياسي.
من نجح في تسجيل المحادثات الخاصة بين محافظ البنك المركزي في بولندا ووزير الداخلية في عام 2014، وتسجيل أحاديث وزراء الحكومة البولندية في مقهى بوارسو، فقد قام بعمل عظيم في إضعاف حزب «المنبر المدني» في السلطة، الذي خسر بعدها انتخابات 2016 لصالح «حزب القانون والعدالة» التابع للقومي المتعصب ياروسلاف كاتشينسكي.
وفي حادث مماثل، شكل تسريب تسجيل سري لخطاب رئيس الوزراء المجري فرانك غيوركساني أمام أعضاء الحزب الاشتراكي عام 2006، عاملاً في الفوز الساحق لأوربان في عام 2010.
فكرة شائعة
قبل احتلال شبه جزيرة القرم، نفى المحللون بشكل روتيني ما أصبح الآن فكرة شائعة مفادها أن الحرب الباردة قد عادت في ظل السياسية الخارجية الأكثر حزما لبوتين. لكن الأمر يستحق القول إن الحرب الباردة لم تنته أبدا في المقام الأول.
لقد أدرك المحللون ان الدب الروسي ليس بلا أسنان، كما بدا منذ بضعة سنوات مضت. وعلى الرغم من التفوق الغربي المزعوم في منظومات الأسلحة التقليدية والنووية، فإن موسكو أظهرت إمكانياتها الاستثنائية في الحروب السيبرانية، التي تبدو الآن أنها لا تقل قوة عن العتاد العسكري الغربي.
