باستيلائها على ما تبقى من المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة في الجيب القائم شرق حلب، تحقق القوات الحكومية السورية انتصارها الأكبر في غضون خمس سنوات من الحرب.

وكانت قوات المعارضة المسلحة التي يقدر عددها في الأصل ما بين 8 إلى 10 آلاف مقاتل، تتراجع أو تستسلم بسرعة وسهولة أكثر مما كان متوقعا. وفيما لا يزال من المحتمل أن تكون هناك مقاومة لمجموعة صغيرة متصلبة بموقعها بين الخراب، فإن الرئيس السوري بشار الأسد سيكون حريصا على سحق أي مقاومة متبقية، حتى يتمكن من تقديم سقوط شرق حلب كـ «نقطة تحول» حاسمة في الصراع.

فهل سيشكل سقوطها نقطة تحول في الصراع فعلاً؟ وفي الحرب الأهلية السورية يوجد العديد من الأطراف بأجندات متنوعة إلى حد أن «نقاط التحول» السابقة تبين لاحقاً إنها ليست كذلك، ولا شيء من هذا القبيل.

تحول أخير

على مدى السنوات الخمس الماضية، كانت القوى الخارجية، وليست الأطراف المحلية في سوريا، من يملي الطرف الفائز أو الخاسر في أي لحظة معينة. وفي هذه الجولة، أدى التدخل العسكري الروسي في سبتمبر 2015 إلى ميل دفة الميزان بشكل دائم لصالح سلطة الأسد.

تركيا غير المدعومة من قبل أي قوة أجنبية، والمنغمسة في صراعاتها مع الأكراد وتنظيم «داعش»، التزمت الصمت إلى حد بعيد بشأن مصير شرق حلب. قلقها الرئيسي يتمثل في الدولة الكردية السورية بحكم الأمر الواقع، والتي تمتد عبر شمال سوريا مباشرة إلى الجنوب من حدودها. وكان الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا في 15 يوليو، وعمليات التطهير التي تلت ذلك، قد جعلت من إمكانية تدخل أردوغان بشكل فعال في هذه المرحلة من الحرب أمرا مشكوكا به.

وحتى فترة متأخرة، كانت هناك قناعة في المنطقة بأن الأسد يمكن هزيمته والإطاحة به مثل معمر القذافي في ليبيا في عام 2011. وكانت هناك مبالغة في إمكانية تدخل عسكري ضد الأسد، على الرغم من أن أوباما أوضح رغبته في عدم الانجرار إلى مستنقع آخر في الشرق الأوسط بعد التجربة الأميركية في العراق وأفغانستان.

التزام ضعيف

وفي الواقع، كان من المرجح دوماً بقاء الأسد في السلطة، لأن الصفوف العليا ضمن نظامه كانت موحدة، وكان لديه جيش قوي، لكن الأهم من كل ذلك، أن روسيا وايران كانتا ملتزمتين ببقائه أكثر مما كانت أميركا ملتزمة بتغيير النظام.

لكن هناك حدود لنجاحات الأسد العسكرية. وتم تأكيد ذلك من خلال الاستيلاء مجددا على أجزاء من مدينة تدمر الأثرية، من جانب مقاتلي تنظيم داعش الذين كانوا ينفذون مرة أخرى حكم الإعدام بالجنود السوريين المعتقلين في شوارع المدينة الحديثة. ويفتقر الجيش السوري، مثل جميع المقاتلين الآخرين في الحربين الأهليتين في العراق وسوريا، إلى الجنود لإحلالهم محل الإصابات في صفوفه. وهذا هو احد الأسباب وراء تجنيد الرجال في سن الخدمة الذي يغادرون شرق حلب حالاً في الجيش السوري.

لكن الصراع يظل حرباً أهلية، وفي المقام الأول حرب طائفية، بسمات عرقية واجتماعية. وقد تكون قوات الأمن السورية استولت على الجزء الأكثر فقراً وتديناً من حلب، لكن الريف حول حلب مؤلف من السنة. وتميل المناطق الحضرية الأفضل حالا نحو دعم الحكومة، في حين تشكل المناطق السنية الريفية دعامة للمعارضة.

ومن المرجح أن تواصل تلك المناطق القتال لا سيما عندما تتحرك القوات الحكومية ضد محافظة إدلب إلى الغرب من مدينة حلب. وتعد تلك مناطق سنية بكثافة سكانية كبيرة، وهي قريبة من الحدود التركية، وقد تكون ما زالت قادرة على الحصول على إمدادات من تركيا.

كلما زادت الأراضي التي يسيطر عليها الجيش السوري، زادت الأراضي التي سيضطر للحفاظ عليها والدفاع عنها. ويأمل أعداؤه في أن تكون هذه الأراضي ضعيفة أمام حرب العصابات، وبأنها لن تكون قادرة أبدا على إعادة ضمان سيطرته على كل سوريا. قد يكونون على صواب في ذلك، ويعتمد الكثير على مواقف القوى الأجنبية، لكن العديد من السوريين قالوا دوماً إن الصراع من أجل حلب سوف يقرر مصير الحرب، ويمكن أن يكونوا على حق.

هزيمة متوقعة

راقبت قوات المعارضة السورية اقتراب الهزيمة لا محالة. فالضربات الجوية الروسية، وقرار الغرب بعدم الرد العسكري وضعفه الدبلوماسي، وقرار تركيا وغيرها بالتراجع عن محاولات الإطاحة بالأسد، وانتخاب دونالد ترامب وليس هيلاري كلينتون رئيسا للولايات المتحدة. كلها أمور كانت تشير في اتجاه واحد.

وهناك مئات الألوف ما زالوا محاصرين في شرق حلب يعيشون شحاً في المياه والطعام والمأوى ومن دون مستشفيات. والرعب الذي تحملته المدينة سيكون مشهورا بسمعته السيئة: «مقبرة هائلة».

لكن كما شدد المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا، فإن سقوط المدينة لن ينهي الصراع السوري.