وسط انشغال الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بتشكيل إدارته الجديدة، فإن العديد من المراقبين في أنحاء العالم، وطبعاً العديد من الدول، منهمكون أيضاً في مراقبة ما يجري على أحر من الجمر، في بحثهم المحموم عن قرائن يمكنها تهدئة المخاوف المتزايدة بشأن اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية في المستقبل. وبالتأكيد، فإن الدول العربية لديها الكثير مما تقلق بشأنه.
لنأخذ سوريا والصراع العربي الإسرائيلي، على سبيل المثال.
فيما يتعلق بسوريا، يبدو الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ميالاً للعمل بشكل وثيق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويعد الدور الروسي في سوريا حاسماً في الوقت الراهن، ومن غير المرجح أن تنظر موسكو، بعد توظيف الكثير في الأزمة السورية، في أي تحرك بخلاف متابعة ما باشرت به من تمكين نظام الأسد من استعادة السيطرة الكاملة على البلاد.
هذا ليس نهجاً جديداً. فقد توصلت إدارة أوباما منذ بعض الوقت، إلى استنتاج مفاده أن الدولة السورية ينبغي أن لا تعاني مصير العراق، عندما تفكك عام 2003. وحتى عندما أدت ضراوة الصراع السوري، إلى اعتماد النهج نفسه، بـ «منع سوريا من التفكك»، بقيت الأطراف المتعددة للأزمة السورية منقسمة حول مصير الرئيس الأسد، فأصر بعضها على أن لا مكان له في سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، فيما بقي تركيز بعضها الآخر على حماية الدولة من الانهيار، حتى لو كان يعني ذلك بقاءه لبعض الوقت.
وظلت إدارة أوباما غامضة حول هذه النقطة بالذات، التي كانت تتطلب دعماً متواصلاً لما يدعى المعارضة المعتدلة، وهو الدعم الذي بالكاد كان كافياً، فيما جرى التغاضي عن القضاء على الجماعات الإرهابية الأخرى التي تقاتل قوات الأسد، والتي شكلت مصدر استفادة لنظامه بكل وضوح.
لكن موقف الإدارة في دعم وجهتي النظر، أطالت أمد الحرب. وإذا كان مطلوباً من الرئيس الأميركي الجديد أن يقرر، بدلاً من ذلك، على سياسة بمسار واحد، يمكنها أن تساعد بالفعل في وضع حد للحرب والحفاظ على سوريا وتفضي إلى استقرار المنطقة، فإنه سيكون من الصعب للغاية عملياً، بالنسبة لأي دولة، باستثناء تلك الداعمة للحكومة السورية أصلاً، الوقوف إلى جانب نظام دمشق، ونبذ مطالب المعارضة السورية المشروعة تماماً لأسباب واضحة ومفهومة. ويتمثل البديل في جهد مدعوم دولياً من أجل التوصل إلى حل وسط يضمن استمرارية مؤسسات الدولة السورية، ويؤيد التطلعات المشروعة للمعارضة السورية في الوقت نفسه.
ويجب أن تشتمل مثل هذه التسوية على شرط أساسي يتمثل في تطهير الأراضي السورية من الإرهابيين وسائر المسلحين الذي يعملون بالوكالة والسياسيين الانتهازيين. وهناك سبب وجيه للاعتقاد بأن إدارة واشنطن الجديدة ستكون في موقع جيد تماماً للقيام بمثل هذا الدور البناء.
المثال الثاني يتعلق بالوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويترك هذا الوضع الإدارة الجديدة مع خيارات محدودة للغاية. إما أن يتولى وزير الخارجية الأميركي الجديد الأمور من حيث تركها سلفه جون كيري، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي مباشرة إلى الطريق المسدود نفسه الذي وصل إليه كيري، أو أن يضطر للنظر في نهج جديد. وفي ظل وجود المبادرة بحزم في يد حكومة إسرائيلية متطرفة، فإن أي أفكار جديدة لابد أن تميل لصالح الجانب الإسرائيلي. وهذا لن يقضي على القليل المتبقي للفلسطينيين فحسب، وإنما سيؤدي أيضاً إلى النفق المسدود نفسه.
عارضت إسرائيل بشدة أي مقترح أميركي يفضي إلى تجميد بناء المستوطنات، حتى لفترة محدودة. ومن غير المرجح بشكل كبير أن تأخذ إدارة ترامب موقفاً أكثر تشدداً أو أن تخضع الحكومة الإسرائيلية لضغوطات أقوى مما فعل أوباما.
وسبق أن ألمح عدد قليل من رؤساء الولايات المتحدة السابقين في بداية عهدهم إلى أنهم سيضعون حدوداً لتورطهم في هذا الصراع المعقد جداً. وهذا الأمر ممكن طالما بقي الوضع في الشرق الأوسط ثابتاً، لكن ما أن ينهار نظام هش بسبب تجدد الحرب، أو انتفاضة، أو حتى هجوم إرهابي، فلن تكون الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على فك الارتباط.
وهناك أمثلة لا تحصى عن كيفية انجرار الولايات المتحدة إلى أزمات إقليمية نتيجة للتطورات المحلية.
لا تغيير
لا يظهر أن هناك حدوداً للجشع السياسي والإقليمي لإسرائيل. وستواصل إسرائيل طرح مطالب جديدة. وقد تحدت بشدة وعارضت تماماً أي مقترح أميركي يفضي إلى تجميد بناء المستوطنات، حتى لفترة محدودة. ومن غير المرجح بدرجة كبيرة أن يتغير الموقف الإسرائيلي، كما من غير المرجح بشكل كبير أن تأخذ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفاً أكثر تشدداً أو أن تخضع الحكومة الإسرائيلية لضغوطات أقوى مما فعل أوباما.
لكن هناك احتمال مقلق آخر يتمثل في إمكانية قيام فريق السياسة الخارجية لترامب بأخذ مشورة إسرائيل في هذه القضية، فيقرر أن ينتظر لبضع سنوات أخرى. وستكون مسرورة جداً بهذه النتيجة.
