شارفت المعركة الطويلة في القطاع الشرقي لمدينة حلب على الانتهاء، حيث المحصلة باتت معروفة لدى الجميع، علماً بأن قوات النظام وحلفاءها سيلزمهم بضعة أيام، أو أسابيع ربما، لإحكام السيطرة على الأحياء المتنازع عليها، أو ما تبقى منها.
وسيبرز على الساحة، المزيد من ضحايا المذابح والمدنيين المصدومين الساعين إلى الهرب نحو مناطق أكثر أمناً، حيث سيتمكن البعض من الوصول دون غيرهم.
وتشمل قائمة الضحايا، الأطفال والنساء والمسنين، ضمن حملة التدمير الممنهج الأكبر لمركز حضري في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما الكارثة الإنسانية المرافقة للمشهد، فلطالما خضعت لوصف مسهب، وإدانة شاجبة على لسان دبلوماسيين وصحافيين ومنظمات. وإنها لاستهانة بالواقع، القول بأن العالم وقف مكتوف الأيدي إزاء وقف المجزرة. ويسطر سقوط القطاع الشرقي لمدينة حلب، من وجهة نظر استراتيجية، نقطة تحوّل أساسية في عمر الأزمة السورية الممتدة لست سنوات.
ومن المنصف القول بأن المبادئ المتفق عليها في «جنيف 1»، وما تبعها، قد أصبحت اليوم بحكم البائدة. وفي حين يحاول مقاتلو المعارضة رفض تسليم ما تبقى من الأرض المتقلصة، التي لا تزال بحوزتهم، فإنه من المنطقي الاستنتاج بأنهم مع ضيق خناق الحصار، سيجدون أنفسهم ملزمين بالقبول بالعرض الروسي لإخلاء المدينة.
ولن تسهم المحاولة الأميركية في اللحظة الأخيرة بتأمين لائحة تعريف بمن يسمون مجموعات المعارضة المعتدلة، إلا في تأخير الأجل المحتوم. أما بالنسبة لروسيا ودمشق، فإن كل من يبقى في حلب، يعتبر بالضرورة متطرفاً، على علاقة مباشرة بالجماعات الإرهابية. وإذا سمح لهم المغادرة، فسينضمون للمقاتلين الآخرين الذين تم ترحيلهم إلى إدلب.
ويأمل النظام أن يسدد من قلب محافظة حلب، ضربة نهائية قاضية للمعارضة. قد لا يشكل سقوط حلب نهاية الأحداث السورية، بفعل رغبة النظام بسط سيطرته على المنطقة الريفية، لا سيما في الشمال، والوسط والشرق، إلا أن التحديات العسكرية ستكون أقل هولاً.
ويتزامن كل ذلك مع إدلاء الرئيس الأميركي الجديد بالقسم الرئاسي، وإرساء نهج جديد حيال سوريا وبقية المسائل. ويكتنف موقف الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، حيال سوريا بالغموض، وكل ما يهمه حشد القوى مع أي جهة مستعدة للقضاء على «داعش» والمجموعات المتطرفة الأخرى. أما مسألة تنحية الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة، فلن يعود يشكل أولوية أو مطلباً حتى، بل مجرد ثمن إعادة إرساء العلاقات بين موسكو وواشنطن.
ومن المرجح أن تصبح حلب إحدى المعالم الأساسية في تحول خارطة التحالفات في المنطقة. كما أنها قد تشكل مؤشراً على استمرار تبدّل التركيز الأميركي على منطقة لطالما كانت تحت رعايتها لعقود.
ومن شأن التكافل بين أنقرة ودمشق، رغم العداوة، سحق آمال أكراد سوريا بالاستقلال والحكم الذاتي.
لقد تحوّلت أحداث سوريا منذ البدايات المبكرة، إلى حرب بالوكالة عالية التكلفة، توجت بمعركة حلب، التي شكل سقوطها حدثاً أكبر مما يرغب معظم العالم بتصديقه. سيكون انقشاع غبار المعارك، كفيلاً بتظهير مشهدية جديدة وليدة من الخصوم والأصدقاء.
خارطة
يشدد قادة أميركا وأوروبا على أن المحصلة لن تنهي الأزمة السورية، وأن الحلّ السياسي يبقى المسار الوحيد المقبول للمضي قدماً، لكن سقوط حلب، سيعزز في الواقع موقع الرئيس السوري بشار الأسد، ويحيل صعباً، بل مستحيلاً على الوسطاء، جمع ممثلي المعارضة السورية والنظام لمناقشة خارطة طريق جديدة.
