لا يزال من الصعوبة بمكان، إيجاد تقييم معتمد بشأن السياسة النووية الجديدة للإدارة الأميركية المقبلة، برئاسة دونالد ترامب. إلا أن إصدار الحكم على الإدارة الحالية ممكن. فعلى الرغم من وعود الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2009 بتقليص دور الأسلحة النووية، تمهيداً لتخليص العالم منها، فإن المسألة ظلت تراوح مكانها، حتى أخذت تسير في الاتجاه المعاكس.

تهديدات ومبادرات

وما لم يتمكن أوباما من إحراز أي تقدم على أجندة العمل التي وضعها في براغ في الفترة الوجيزة المقبلة، فإن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، سيشكل وريث عالم مفرط الهشاشة. وقد أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عن قلقها من التهديدات، حين حذرت من قدرة الإرهاب النووي، من ضرب أي دولة على امتداد العالم. وفي حين تحث الدول الخطى في مجال الاستثمار في الأمن النووي، سيحاول الإرهابيون والمجرمون، استغلال أي ثغرة لوضع اليد على المواد القاتلة المشعة نووياً، وشن الهجمات على المنشآت النووية، وفق ما أكد رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو.

وشكلت مبادرات ترامب للتقارب مع روسيا، خلال حملته الانتخابية، بادرة أمل توحي بإمكانية عكس مسار التيارات السلبية القائمة، لكن الوقت ليس في صالحهما.

وقد ساهم الصراع في أوكرانيا، والاتفاق الإيراني، والتطورات الصاروخية والنووية في شمال كوريا، المترافقة مع تراشق الاتهامات بين موسكو وواشنطن في تحويل الاهتمام اللازم عن الاتفاقات التاريخية المتعلقة بنشر الرؤوس النووية، وتركت العالم عرضةً أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب الباردة.

ويهدد كل ذلك، انطلاقاً من نظرية تأثير الدومينو بتقويض اتفاقية الحد من الانتشار النووي المركزية، التي وافقت كل من أميركا والاتحاد السوفييتي السابق وبريطانيا وفرنسا والصين على الحد من تكنولوجيا الأسلحة النووية، بهدف نزعها في خطوة لاحقة.

ويجدي نفعاً، تذكر حكمة قادة الاتحاد السوفييتي وأميركا السابقين خلال الحرب الباردة، حين أدرك الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، والسوفييتي ميخائيل غورباتشوف، حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهما في إطار الأمن العالمي، ما مهد الطريق نحو مسار التقدم المستدام المرتبط بنزع الأسلحة النووية.

تحصين الأمن

ولا بدّ من أجل أن تتسم مناشدة يوكيا أمانو، الدول اعتماد الحذر واليقظة إزاء الإرهاب النووي، بفعالية أكبر، من أن يبدي قادة روسيا وأميركا التزاماً بمعالجة القضايا الجوهرية، وإبداء الاستعداد للتعاون. ولا يوجد إلا استئناف علاقات التعاون مصيراً تظهر من خلاله هاتان القوتان العملاقتان للعالم، نهجاً موحداً لتحسين أمن المواد الإشعاعية، والأمن السيبراني، والوقاية ضد الاعتداءات على مراكز القيادة والتحكم النوويين والمواقع النووية.

وهناك بعض من الأمور التي يمكن لأوباما الشروع بها مباشرةً. وقد أصدر منتدى لوكسمبورغ، أخيراً، سلسلةً من التوصيات الرامية إلى تحسين الأمن النووي، كما حض الرئيسان أوباما وبوتين، على اعتماد إجراءات كافية، تحول دون وقوع إطلاق الأسلحة النووية عرضياً أو عن طريق الخطأ. إلا أنه يتعين على الجهتين، إحياء عملية الحوار المهجورة منذ عدة سنوات.

وذهبت بعض التحليلات إلى أن أوباما قد يعلن قبل مغادرته البيت الأبيض عن التعهد بعدم لجوء الولايات المتحدة إلى ترسانتها النووية كسياسة الخيار الأول، ما قد يسطّر تغييراً بارزاً على الساحة السياسية. ويتمثل ثاني الخيارات المطروحة للنقاش، بمنح روسيا تمديداً لخمس سنوات لمعاهدة ستارت الجديدة.

وتبدو الخطوة مجدية، لا سيما في ظل التفكير بأن غياب أي معاهدة، سيضع أسلحة الاعتداءات الاستراتيجية خارج أي إطار قانوني أتاح لعقود الامتثال بتلك الالتزامات.

وسيكون ترامب مدركاً لنوع الإرث القائم، فبعد سنوات من الإحجام عن التحرك من قبل الإدارة الحالية، سيكون لأي خطوة، مهما بلغ صغرها، أن تحدث فارقاً كبيراً. ويحظى كل من ترامب وبوتين، من خلال إحياء قنوات التواصل، بفرصة العودة عن حافة الأزمات العميقة المرتبطة بالتحكم بالأسلحة النووية، ونزع السلاح والحد من انتشارها.

ركود

يتسيد ركود العلاقات الأميركية الروسية، محور مؤتمر آخر عقده قادة خبراء العالم في نزع الأسلحة النووية، أخيراً. ويضم منتدى لوكسمبورغ الدولي لمنع الكارثة النووية، لجنة رفيعة المستوى من العلماء والخبراء من 14 بلداً، بمن في ذلك المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، هانس بليكس، ووزير الدفاع البريطاني الأسبق، ديزموند براون.

وليست تلك المرة الأولى التي يعرب فيها المنتدى عن القلق بعدم الالتزام بمعاهدة ستارت الجديدة. وساد هذه المرة التخوف من الوتيرة المتزايدة لإعراب قادة العالم عن استعدادهم لاستعمال الأسلحة النووية. إلا أن اللجوء إلى الأسلحة النووية كوسيلة لردع الآخرين، لعبة خطرة.