بالكاد خمدت فورة الأحداث التي عصفت بالشرق الأوسط، وأحكمت سطوة الأزمات والصراع، لكنا إذا نظرنا إلى الوراء لمحصّلة عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي خدم لولايتين، يتضح لنا بأننا إزاء انهيار شرق أوسطي ذي عواقب خطرة تحيط بالمنطقة وتطال العالم بأسره.

توجه أوباما من منبر جامعة القاهرة عام 2009 إلى الأمة الإسلامية بخطاب طموح عظيم الدلالات. وسطّر بعناية ملامح الآمال بفتح «صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم.»

واتسمت خارطة الشرق الأوسط الجيوسياسية التي ورثها أوباما من الإدارة السابقة بانها كانت مخضبة بالصراعات القائمة في العراق وأفغانستان، على الرغم من إقراره بأن أفغانستان لم تكن «حرباً بالاختيار بل محكومةً بالضرورة.»

أما العراق، فقد شكل معضلة الإدارة الأميركية الجديدة التي استحال فكّها، ودفعت أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون إلى تفكيك الشرق الأوسط وزعزعته. وقد أعقب الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عام 2007 انتشار جيش إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وبدأت تظهر في العراق مؤشرات استقرار منتظر. إلا أن انسحاب القوات الأميركية لدوافع سياسية خلف آثاراً ترسبية، أمعنت سياسة أوباما في ارتهان مكاسبها المعمدة بالدماء والمال، وسمحت للانقسام الطائفي الفاسد من الاستحكام بحكومة بغداد.

وفي حين أعرب نخبة الجيش الأميركي والعديد من أعضاء الإدارة عن اعتقادهم بضرورة الحفاظ على قوة عسكرية مختصرة في البلاد كبادرة التزام بدوام الاستقرار، أصر قادة في حكومة بغداد على الانسحاب التام، فانصاع أوباما مسروراً.

تفجر الوضع السوري عام 2011 بخروج التظاهرات الساعية لقلب حكم الرئيس السوري بشار الأسد المتمادي، التابع لروسيا. وبدأت ثورات سوريا ديمقراطية لكنها سرعان ما تعرضت للاختطاف على يد قوات جماعة القاعدة المتطرفة. وفي حين أصدر أوباما خطابات تضليلية تزامنت مع دعمه للأحداث في سوريا، عملت إدارته على القيادة من الخلف باتجاه حسم التحركات.

على الساحة الليبية، شهد الليبيون على إطاحة نظام رئيسهم السابق معمر القذافي عبر سلسلة من الثورات القبلية. وأرسلت أميركا وفرنسا فيما بعد دعماً جوياً مكثفاً للمساعدة في حلحلة تأزم الحرب الأهلية. لكن ماذا حصل؟

أحرقت ميليشيات المتطرفين السفارة الأميركية في بنغازي وقتلت أربعة أميركيين بمن فيهم السفير كريس ستيفنز. وها هي ليبيا اليوم تغرق بالفوضى وتشكل ممر تدفق اللاجئين نحو إيطاليا.

وفي حين أننا نجحنا في التخلص من القذافي، علينا أن نتساءل عن خطط وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون لمرحلة ما بعد الإطاحة بالنظام.

وتقبع تركيا التي شكلت يوماً نقطة الارتكاز العنيدة والعلاقات المتينة مع الولايات المتحدة تحت نير التهديدات.

تعاني منطقة الشرق الأوسط من موجة صدمات ارتدادية ناجمة بشكل جوهري عن سياسات أوباما الخارجية الفاشلة. أما الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، فليس إلا وريث تلك الخارطة الجيوسياسية المثقلة بالمتاعب.

جحيم

قررت روسيا دعم وكيلها السوري القديم، فأسفر ذلك عن مقتل 500 ألف سوري، وتحويل حلب اليوم إلى جحيم على المستوى الإنساني. وأصبح ملايين السوريين في عداد اللاجئين الفارين تارةً إلى لبنان وتركيا والأردن والمتدفقين طوراً أفواجاً إلى أوروبا. ولا نهاية قريبة تلوح في الأفق.