يسود الانطباع حالياً على مسرح الأحداث الدولية بأن الغرب عموماً وبريطانيا خصوصاً قد اختارا التغاضي نهجاً لهما عن الحرب السورية، على الرغم من تسارع وتيرة بعض أخطر التطورات وتفاقمها، منذ بداية الصراع هناك.
وتتزاحم بطبيعة الأحوال العناوين الكبرى الأخرى في فضاء عالم الإعلام والرأي العام العالمي، بدءاً من أعداد المهاجرين مروراً بانتهاكات الرياضيين وصولاً إلى دراما البريكسيت المستمرة وفترة التحوّل المترافقة مع وصول الرئيس المنتخب دونالد ترامب لسدة الرئاسة في أميركا. وقد طغى مشهد بداية العد النهائي في حلب على أحداث الفترة الأخيرة، إلا أنه خضع إما للتجاهل أو للإدانة القلقة على النسق المعتاد.
مأساة وتساؤلات
ويتم تصوير الرئيس السوري بشار الأسد وروسيا كأشرار مسؤولين عما يحصل بالتكافل والتضامن، في حين تطالعنا مناشدات مفجعة عبر الإنترنت من عائلات بلا مأوى، وأطباء بلا مستشفيات وأطفال بلا طعام. ولا تكف مجموعات المنفى تطالب أيضاً بريطانيا وأوروبا بالقيام بأي شيء يمكن أن يدعم قضيتها.
ويبرز من هذا المنطلق السؤال التالي هل ستكون أميركا، الاتحاد الأوروبي أو بريطانيا الجهة التي ستدعو لهدنة جديدة، وتعد بالمزيد من الأسلحة، أو حتى إرسال المزيد من القوات الخاصة لمساعدة من تحبذ وصفهم بقوات المعارضة «المعتدلة» على الأرض؟ أو أنها ستسحب يدها وتترك الأمور المقدر حدوثها تحصل عاجلاً وليس آجلاً؟
ما الحلّ المرجح لوقف أعمال القتل والدمار؟ ما الذي يمكنه إنقاذه مما تبقى من ثاني أكبر المدن السورية، وسكانها؟ وما هي الجهة القادرة على استئصال أو ربما قلب اتجاه تدفق اللاجئين؟
يجب أن تكون الإجابة واضحةً في هذا السياق، حيث إن عناصر السؤال الأول من شأنها أن تطيل مأساة حلب. ويبدو على وجه أدق أن أميركا، إن لم يكن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أيضاً قد اختاروا ترك الأحداث تجري، وفضلوا عدم الإقرار بذلك في الوقت الراهن. أما لناحية توقيت القرار، فمن المرجح أن يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أقر بانتصار النظام في سوريا لحظة أقرت هيلاري كلينتون بفوز ترامب.
التسويات السياسية
ولا ترادف استعادة النظام لحلب انتهاء الحرب الأهلية أو توقف الأعمال العدائية. حتى لو بقيت سوريا دولة واحدة، فإن القوة المركزية ستكون انعكاساً لوجهها السابق، والمنطقة التي تسيطر عليها ستضمحل، ولن ترغب القوات الكردية على وجه التحديد في أن تتخلى عن الأراضي التي استولت عليها.
وسيفضي ذلك بالضرورة إلى فرض تسوية جديدة على سياق التسويات السياسية التي سبق أن نوقشت على امتداد جولات محادثات لا متناهية بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف.
وتبقى العقبة هنا بأن الاتفاق الذي توصل إليه كيري ولافروف في سبتمبر الماضي سرعان ما انهار لأن أياً من الأطراف لم يكن قادراً على السيطرة بالكامل على القوات المنتشرة على الأرض. وسواء أعجبنا ذلك أو لا، فإن الفوز في حلب يحظى بفرصة البقاء أكثر من اتفاقية لا يزال أطرافها جميعاً يأملون أن يحققوا من خلالها موقعاً أفضل لهم.
ستبرز عقب خيانة المساندين الغربيين للمعارضة المناوئة للأسد، الكثير من المزاعم والتأويلات، سبقتها ادعاءات تشير إلى أن إخفاق أوباما في فرض «الخطوط الحمراء» على الأسلحة النووية، قد أسعف الأسد، وخلق فراغاً سارعت روسيا لملئه. ومن المتوقع أن تطفو إلى السطح المزيد من الاتهامات بالترضية.
وتتمثل الصيغة الأكثر دقةً ربما بأن الجهات المناوئة للأسد لطالما كانت من الانقسام والتشرذم بما يحول دون إتمامها المهمة الموكلة بها، كما تؤكد أن أميركا وبريطانيا وغيرها من الدول الراضخة مجدداً لإغراء الشتات، ما كان ينبغي مطلقاً مدّها بالدعم كما فعلت. وحين يطرح السؤال في الأشهر القليلة المقبلة حول الجهة التي تتحمّل مسؤولية ما حدث في سوريا، فإن الإجابة يجب أن تكون بأن الأسد قد أطلق شرارتها بالفعل، لكن الغرب تكفل بإطالة أمد الصراع على نحو أكثر تكلفةً وتعقيداً مما كان ليكون عليه.
إدراك
من المرجح أن تكون الإدارة الأميركية الحالية الموشكة على الرحيل قد أدركت، بعد تلمسها عدم اهتمام ترامب بالصراع السوري، بأن الأسد سينتصر، وأن محاولة اعتراض حملته لن تسهم إلا بمزيد من إراقة الدماء.
ويذكر أنه ستقع على عاتق المنتصر مسؤولية حماية المدنيين، وسنرى ما إذا كانت الحكومة السورية بما حظيت به من دعم روسي قادرة على حماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية. وسنشهد ما إذا كان النصر في حلب سيحبط التمرد في أماكن أخرى ويمنع تراشق الاتهامات. ولا تزال النقاشات تدور في أروقة مجلس الأمن حول ما يمكن للقوى الخارجية أن تقوم به، إن وجد طبعاً.
