تشكل التداعيات الإقليمية للعام 2011 محصلة أزمة طويلة الأمد في علاقات المجتمع بالدولة في العالم العربي، استغرق ظهور مؤشراتها الأولى عقوداً عدة. لقد أخفقت الحكومات الإقليمية في التعامل مع أسس الأزمة المختمرة، حتى إن بعضها قد اعتمد سياسات لم تسهم إلا في تفاقم المشكلات. وحين تفجرت أحداث الربيع العربي عام 2011، أتى رد فعل القادة ضعيفاً، على نحو أمعن في تعميق التصدعات الاجتماعية، وإضعاف المؤسسات، وازدهار حركات التطرف العنيفة.

وقد انزلق عدد من الدول في أتون الحروب الأهلية، وبقي عدد آخر فريسةً سهلة للاضطرابات، في حين أن محركات التغيير قائمة في كل أرجاء المنطقة، وفي كل الأوساط. لا يوجد بلد محصن ومنيع إزاء حتمية إصلاح الحوكمة نحو صيغ أكثر استدامة، علماً بأن الطريقة التي اتخذها انهيار النظام الإقليمي والسنوات الخمس الماضية التي طبعتها الاضطرابات والتوقعات الخائبة قد ولّدت أزمة نظام وسلطة.

نوعية الحوكمة وتأثيراتها

يشكل انعدام الثقة بين المواطنين والقادة السياسيين والحكومات العقبة الأكثر تأثيرا في طريق استعادة الاستقرار الإقليمي. ويشير فهم كيفية وأسباب انهيار أنظمة الدول العربية عام إلى2011 إلى أن قدرة تلك الدول على التعامل مع تهديدات الأمن القومي والإقليمي ترتكز بجانب كبير منها على هيكلة المؤسسات السياسية، ورأب الصدع القائم بين الدول كأنظمة والمجتمعات. والفشل في إجراء مراجعة على الحوكمة سيكون مدعاةً لمزيد من التصعيد على مستوى التحديات الأمنية.

مستقبل المنطقة رهن إلى حدٍّ كبير بنوعية الحوكمة، وليس بوجودها بحدّ ذاته. حيث إن الحوكمة المستدامة التي تحدد موقع الدول من حيث اعتبارها شريكاً فاعلاً وموثوقاً في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي تتسم بأربع خصائص أساسية، تشمل المزيد من الشمولية والشفافية والفعالية والمحاسبة. ويعتبر النظام الليبرالي الديمقراطي أقرب إلى احتواء تلك الخصائص، في ظل توق حقيقي لقيام حكومات مستقلة ديمقراطية. غير أن السير على الطريق نحو تشكيل الحكومة الديمقراطية ليس متسرعاً ولا متسلسلاً.

وبعد خمس سنوات من الاضطرابات العربية، تبرز ثلاثة نماذج تتنافس على بسط هيمنتها على الساحة الشرق أوسطية، وتتفاوت بين الديمقراطية الهشة كما في تونس، وفرض النظام بالطرق الوحشية كما هي الحال مع «داعش»، والسلطوية المتجددة. ولا يوفر النموذجان الأخيران مساراً مستقراً أو ناجحاً لمستقبل دول الشرق الأوسط. كما يصعب التصور في ظل انهيار الثقة الاجتماعية، سيما في المجتمعات المتناحرة، كيف يمكن لعقد اجتماعي جديد أن يتم التفاوض عليه واعتماده وتطبيقه.

أولويات بث الاستقرار

ونظراً للأزمة الثنائية للنظام والحكم الناجمة عن الانهيار الإقليمي، يصعب نجاح دول المنطقة في إعادة إنشاء عقد اجتماعي فاعل، وتفعيل الحوكمة المستدامة باستخدام نموذج الإقصاء السابق. وبهدف البدء باستعادة الثقة بين المواطنين والحكومة، وإعادة هيبة مؤسسات الدولة عبر التوافق، يتعين على الحكومات التركيز على أولويات تختصر بإنهاء الحروب الأهلية، الحوكمة الشاملة وتفادي العنف مع ما يستوجب ذلك من احترام لحقوق الإنسان، إعطاء الأولوية للقضاء، إيجاد فرص للشباب، إنشاء المنصات وتعزيز مهارات الحوار وحل الصراعات، وتنمية المجتمع المدني.

ولا مناص من أن تدمج المخططات الأميركية والدولية لإنهاء الحرب الأهلية وبث استقرار ما بعد الحرب الدروس والتحليلات المتعلقة بالحوكمة العربية المستدامة. يتعين على أميركا أن تكرس مزيداً من الدعم للحكومات التي تستعين بالتسويات السياسية بديلاً عن العنف في حل الصراعات. علماً بأن بناء المجتمعات المتكيفة مع الحروب الطائفية والإرهاب يتطلب مؤسسات أكثر استجابة وفاعلية، قادرة على كسب ثقة الشعب وولائه، وأنظمة عملانية أكثر عدالة تتمكن من منح الغالبية المتمثلة بالشباب فرصاً مجدية لتحقيق طموحاته.

الحوكمة المستدامة في الشرق الأوسط شرط ملزم لضمان أمن المنطقة والعالم، وعامل ملح وجدير بالاستثمار الواعي والثابت من قبل القادة الإقليميين والعالميين. لا توجد بدائل اختبارية أخرى، ولا وقت إضافي نهدره.

دور وتأثير

تأرجحت السياسة الأميركية حيال مسائل الحوكمة المحلية في الشرق الأوسط دراماتيكياً بين المغالاة في التدخل والقصور، مما أدى في الحالتين إلى الإحباط. وفي حين أنه ليس بمقدور أميركا حتماً حسم النتائج في المنطقة، فإن حضورها ونفوذها لا يزال له ثقله. ولا بد للمسؤولين الأميركيين من الأخذ بالحسبان أن مكامن الوهن التي أنتجت الاضطرابات وأفسحت المجال لنشوء «داعش» والقاعدة لا تزال قائمة في المنطقة، وأن يضعوا مبادئ واضحة حول سبل استعادة الاستقرار، وتقييم النمو الإقليمي بشكل ثابت من منظار ارتباطها بتعزيز الحوكمة.