لا يتكرر كثيراً، مشهد أن يعرب مسؤول أممي بكلام مسبق وقاسٍ، ليصف بشكل عاطفي الوضع أمام مجلس الأمن الدولي. لكن حين تحدث وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، ستيفن أوبراين، إلى وفد من الدبلوماسيين، واصفاً ومبيناً فظاعات الحرب الأهلية السورية، بالقول: «لم أعد أعلم ما الذي أفعله ككائن بشري»، فإنه كان يستعرض الواقع المؤلم فحسب.
لطالما شددت الصحف في تقاريرها، على أن سوريا قد انزلقت إلى جحيم، شهد على امتداد ما يزيد على خمس سنوات، مقتل 500 ألف وتشريد الملايين وتهجيرهم. وقد تعاملت العديد من الدول مع الصراع السوري الدموي بلا مبالاة مشينة، في تكرار لسيناريو البوسنة قبل عقد من الزمن.
بؤرة الصراع
وتشكل حلب، بخضوعها لحصار وقصف قوات الرئيس السوري بشار الأسد المستمر، بؤرة الصراع، الذي حول المدينة النابضة إلى ركام، ورقعة مهشمة تنهشها المليشيات، وفصائل إرهابية، وموالون للنظام.
وتتفشى المجاعة في البلاد على وقع قصف طائرات النظام عشوائياً «بالبراميل المتفجرة»، ودكّ المقاتلات الروسية لمواقع المعارضة المزعومة. وتقبع في هذه الأثناء، المساعدات الإنسانية الأممية في حالة غيبوبة.
وشدد أوبراين على أن «الأوضاع الإنسانية في شرقي حلب، قد تفاقمت من فظيعة إلى مرعبة، حتى أصبحت بالكاد قابلة لعيش البشر». ولا يتوفر ما يكفي من الطعام والدواء للمدنيين المحاصرين العالقين بين خطوط النار. وطالب الدول بممارسة نفوذها «لوضع حدٍّ لمذبحة حلب»، على حدّ قوله.
تكتيك سوري متعمد
وأعلن أوبراين، أنه في الفترة ذاتها من العام المنصرم، تعرض 347 ألف مدني للحصار، وتوقف عدد المحاصرين قبل ستة أشهر عند 487 ألفاً، ليشكل اليوم ما مجموعه 974 ألف محاصر. وأضاف: «يعيش ما يقارب المليون سوري اليوم تحت الحصار، حيث لا يوجد ما هو خفي أو معقد حيال ممارسة الحصار، إنه تكتيك متعمد من الظلم الذي يضاعف عذابات الناس لصالح تحقيق بعض المكاسب السياسية، العسكرية، أو الاقتصادية في بعض الأحيان».
وأبدى أوبراين استهجانه، قائلاً: «لقد أصبحت الاعتداءات على البنى التحتية المدنية، لا سيما المدارس والمستشفيات، أمراً شائعاً يثير الذهول».
وفيما تنزلق سوريا أكثر في دوامة الجحيم، تتواصل مساعي الأمم المتحدة الإنسانية في مساعدة، ما يقارب ستة ملايين شخص على امتداد البلاد. إلا أن أوبراين ناشد جميع الدول المعنية، احترام قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لرفع الحصار، والسماح بالوصول الآمن للمعونات الإنسانية في مناطق الصراع.
نقاشات مشاكسة سادت أوساط مجلس الأمن، عقب تصريح السفيرة الأميركية، سامنتا باور، بأن النظام السوري يتبع استراتيجية «التجويع والقصف لدفع السكان للاستسلام». وخلصت باور، إلى أنه «على الرغم من ضرورة الإقرار بالفظاعات التي ترتكبها الجماعات الإرهابية»، لا بد من التشديد على الدور الفتاك الذي تلعبه كل من «الحكومة السورية والإرهاب الروسي» في الحرب الأهلية. وأشار السفير البريطاني ماثيو رايكروفت، بلهجة قاسية، إلى أن «روسيا تملك النفوذ للسماح بوصول المساعدات التي تحتاجها البلاد بشدة، وإن لم تفعل، فإن العالم سيحاسبها على النتائج الكارثية. إني أحض الاتحاد الروسي على إقناع النظام الروسي، السماح للأمم المتحدة القيام بعملها وتوصيل المعونات إلى حلب».
وأضاف رايكروفت، معلقاً على الضربات الجوية الروسية التي تستهدف المستشفيات في المناطق الخاضعة لسيطرة القاتلين، بالقول: «إننا جميعاً نريد مكافحة الإرهاب في سوريا، إلا أن الاعتداءات على المدارس والمستشفيات، لا تندرج ضمن عمليات المكافحة».
ودحض المبعوث الروسي فلاديمير سافرونكوف الاتهامات، وذهب إلى حدّ الادعاء بأن حكومته تمدّ يد العون إلى المساعدات الإنسانية في سوريا، وتسهّل المساعي السياسية الآيلة لحلّ الصراع الممتد. يتصدى إيجاد حلّ سياسي مضلل منطق الدبلوماسية والأخلاق واللا مبالاة، فلنجد حلاً لسوريا اليوم!
تحذير
شدد السفير المصري عمر عبد اللطيف أبو العطا، على الجانبين الإنساني والسياسي للصراع، مؤكداً «أنه لا يوجد حلّ عسكري للأزمة»، كما على ضرورة التسوية السياسية الشاملة. إنه ما يجب ما يحصل في الواقع، لكن كيف يمكن التوصل إلى مثل هذا الإجماع شبه المستحيل؟.
أما بشار الجعفري، السفير السوري، فشجب موجة الإرهاب المتفشية في البلاد، وقال: «الإرهابيون يأتون من كل أنحاء العالم. إنه الإرهاب عينه الذي تتم محاربته في الموصل بدعم من التحالف الدولي».
وحذر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، ستيفن أوبراين، من أن «العمليات العسكرية مهما بلغت كثرتها، فهي لن تحسم الصراع، وأن الحلّ الأوحد سياسي، كما سبق أن قيل مراراً».
