تركزت قيادة العالم بمعظمها منذ الحرب العالمية الثانية بيد الولايات المتحدة، ولا يعود ذلك إلى قوتها العسكرية وحسب، بل إلى القيم العالمية التي تشمل انفتاحها على العمل مع الدول الأخرى.
وقد شدد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على استراتيجية «أميركا أولاً»، التي انعكست في مخاوفه حيال تحالفات الولايات المتحدة الأمنية واتفاقياتها التجارية. ويطرح عدد من الدول اليوم تساؤلات حيال تمثيل أي من البلدان لقيم الإنسانية المشتركة.
وينم طرح السؤال بحدّ ذاته عن المدى الذي بلغه العالم في تقدير وحدته النسبية وتكتله حول المفاهيم الجوهرية، وهو أمر كان مفقوداً على نطاق واسع قبل 70 عاماً وحتى نهاية مرحلة الحرب الباردة. وسرعان ما انتخب ترامب رئيساً، فهرع عدد من القادة للتواصل معه، على أمل الحصول على إيضاحات منه، أو تغيير في الآراء.
وقد عمد بعض القادة، تحديداً المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى وضع شروط للتعاون مع الولايات المتحدة، فقالت ذات مرة إن: «العلاقة بين ألمانيا وأميركا تقوم على أسس قيم الديمقراطية والحرية واحترام القانون وكرامة الإنسان. وإني أعرض على الرئيس المقبل للولايات المتحدة تعاوناً وثيقاً في علاقات البلدين يستند إلى تلك القيم».
وطالبت ميركل في خطاب لها، أخيراً، أمام البرلمان الألماني البلاد بالانتصار لمبادئ التعددية والأمن والحرية و«تحديد شكل العولمة مع الآخرين».
وتعتبر تصريحات ميركل مؤشراً إلى الرغبة المتزايدة تجاه تطبيق القيم العالمية، وربما إمكانية اضطلاع ألمانيا بدور قيادي أكبر على ساحة العالم، أقله على الصعيد السياسي إن لم يكن العسكري. وقد كشفت ميركل في السنوات الأخيرة عن حسّ قيادي بارز على المستوى الأوروبي، سيما خلال أزمة ديون اليونان، والاعتداء الروسي على أوكرانيا، وموجة التدفق الجماعي للمهاجرين. وقد وصف وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير بلاده بـ«القوة العاكسة».
ومن المرجح أن تحقق الضغوط التي تمارسها ألمانيا والدول الأخرى بغية حفاظ أميركا على علاقات متينة مع العالم نجاحاً. وقد أجرى ترامب تعديلات على بعض من تصريحاته المتعلقة بشؤون السياسة الخارجية، مثل اللجوء إلى التعذيب، وحظر هجرة كافة المسلمين، وعدم اعترافه بتغير المناخ. كما لجأ في محطتين بارزتين من التعيينات لتسمية الفريق مايكل فلين لمنصب مستشار الأمن القومي، وحاكمة ساوث كارولينا نيكي هالي سفيرة أميركا للأمم المتحدة، ويكون بذلك قد اختار أشخاصاً تحدثوا عن أميركا بوصفها المحور الحيوي للنظام العالمي.
وفي الوقت الذي يصبح ترامب قائد القوات العسكرية في أميركا، فسيكون قد أدرك أنه ورث تقليداً ينص على أن العالم يتوقع معايير وقيماً عالية، معظمها مغروس ومحمي من الولايات المتحدة وآخرين. إن منصب الرئاسة أكبر من شخص الرئيس القابع في المكتب البيضاوي. وكذلك هي القيم التي تربط العالم بعضه ببعض.
أواصر
شاركت ميركل في كتابة مقال مع الرئيس الأميركي باراك أوباما نشر في مجلة «ريتشهافتووك» الألمانية، وقالت فيه: «يتعين على الألمان والأميركيين انتهاز الفرصة لتحديد شكل العولمة وفقاً للقيم والأفكار المشتركة بينهما. إننا ندين بذلك لشركاتنا ومواطنينا، وللمجتمع العالمي ككل من أجل توسيع وتعميق أواصر التعاون».
