حظي فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب الصاعق بالانتخابات الرئاسية بتداعيات غير اعتيادية على مستوى السياسة الخارجية. وقد أمعن الديمقراطيون خلال الحملة الانتخابية في الانقضاض على موقع ترامب بالادعاء بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدعمه ويعمل لإيصاله إلى سدة الرئاسة. ويعتقد كثيرون اليوم أن الانتكاسة السياسية الأفدح في أميركا تصب انتصاراً لصالح الكرملين.

إلا أن الأخبار التي تروجها دوائر الإعلام الأميركي حول دعم بوتين لترامب بعيدة عن الواقع، في الحقيقة. وقد تغاضى مناصرو هذه الفكرة بابتهاج عن تقييمات محطات الإعلام الروسية الأساسية، وطروحات المحللين الروس الذين لم يظهروا حماسا محددا حيال فوز ترامب برئاسة أميركا.

أجواء من القلق

وتسود اليوم أجواء من القلق حيال ما قد يحصل للسياسة الخارجية الأميركية لدى تسلم ترامب مقاليد الرئاسة.

وتتجلى المشكلة الأساسية مع ترامب بأن لا أحد بمن في ذلك الرئيس المنتخب نفسه، الذي يبدو أنه لا يعلم طبيعة مهامه الرئاسية، يعرف ما سيحدث في ميدان السياسة الخارجية. وقد اتسمت تصريحات ترامب المتعلقة بالعلاقات الخارجية بالارتباك وأحياناً بالتناقض. ويبدو أن معاونيه ومستشاريه يختزنون طيفاً هائلاً من الآراء المتناقضة حول سياسة أميركا الخارجية والدفاعية.

أضف إلى كل ذلك أن ترامب ملزم اليوم بإيجاد حالة من الانسجام مع مؤسسة الحزب الجمهوري. ومن الواضح أن المسائل الداخلية تحتل موقع الأفضلية بالنسبة لترامب، سيما الاقتصاد مما قد دفعه إلى تفويض شؤون السياستين الخارجية والدفاعية لنخبة الجمهوريين المعتمدة، التي تتخذ موقفاً عدائياً واضحاً من روسيا.

وبناءً على كل ما تقدم، لا يوجد في الكرملين، حيث المتابعون عن قرب للسياسة الأميركية والتقارير الاستخبارية، من يفكر جدياً بالمراهنة على ترامب. وخلافاً للكثير من وسائل الإعلام الأميركية والعالمية، لم يقلل المحللون والمراقبون الروس يوماً من قدرات ترامب، الذي غالباً ما وضع في خانة قادة اليمين الوسطي من أصحاب الكاريزما القوية.

في الوقت الراهن، وبينما تحاول روسيا أن تضع تصوراً لما يمكن أن تتوقعه من ترامب، فإن أسباباً قليلة فقط تدعوها للأمل في أن يقدم الرئيس المنتخب أية تنازلات رئيسية أو يعقد اتفاقات جوهرية معها، بغض النظر عما قيل أثناء الحملة.

ولا تملك موسكو بالمقابل الكثير لتقدمه لواشنطن، في ضوء مجالات التعاون الضئيلة الممكنة. وسيجد ترامب، لدى انتقاله إلى المكتب البيضاوي، أن أميركا لن تحقق الكثير من المكاسب على الرغم من رغبة رئيسها بتحسين العلاقات مع روسيا.

توقعات بعيدة المنال

ولهذا السبب فإنه لا توجد أسباب للتوقع في المدى المنظور، أو مستقبلاً، بأن أميركا وروسيا ستدخلان في اتفاقية كبيرة تقسمان على أساسها مناطق النفوذ في العالم، علماً بأن التسويات المتواضعة تبدو بعيدة المنال. لن يكون لدى إدارة ترامب أية حوافز لمفاتحة موسكو، سيما أن أي مرونة تبديها حيال روسيا ستقابلها معارضة الجمهوريين وأوساط السياسة الخارجية والدفاعية الأميركية. ولا يرجح أن يكون ترامب مستعداً لدفع ثمن مواقفه السياسية الداخلية، سيما أن تحسين العلاقات مع روسيا لا يعود بمنافع ملموسة على أميركا.

وتنبثق المشكلات الأساسية في العلاقات الروسية الأميركية من طموح موسكو الجوهري للعودة إلى الساحة العالمية كقوة عظمى، وربما لتحقيق تكامل مع النظام العالمي المؤيد للغرب بقيادة أميركا، على أن يشترط ذلك الاعتراف بها كقوة عظمى مهيمنة على غالبية الدول المجاورة السوفييتية سابقاً.

وستظل الطموحات الروسية غير مقبولة لدى أي إدارة أميركية لسنوات مقبلة، أو ربما لعقود. ولا يوجد سوى سبيل وحيد للتغيير، علماً بأن السيناريو سيصعب على الأميركيين تقبله.

إذا آلت مواقف أميركا لمزيد من التدهور على الساحة العالمية، كأن تجُرّ لمواجهة مع الصين بالتزامن مع تورطها في وحول الشرق الأوسط، قد تبدو روسيا الحليف الأكثر جاذبيةً، أو على الأقل الخصم الأقل جذباً. ومن شأن الدخول في مجابهة مع الصين وخوض تعقيدات السياسة الخارجية الأخرى أن يدفع بواشنطن للسير في طريق التقارب الروسي.