يشكل الثأر أحد المفاهيم الراسخة بقوة في صراعات الشرق الأوسط، وقد برزت في إطار النقيض الحاد مع هذا التقليد، دولة عربية، أثبتت أنها بديل سلمي مبدئي.

وقد تسمّر أبناء الدولة الواقعة في شمالي أفريقيا ليومين، أخيراً، أمام الشاشات، أو بجانب المذياع، للاستماع لإفادات ضحايا التعذيب وحالات العنف الأخرى، التي ارتكبتها الأنظمة الديكتاتورية السابقة، لقرابة نصف قرن. وقد ناضلت تونس منذ إطلاق شعبها أحداث الربيع العربي عام 2010 ضد حكم الطغيان لإنشاء دولة ديمقراطية، تتزامن مع تأسيس هيئة الحقيقة والكرامة لإحقاق الحق وتحقيق العدالة والمصالحة في الأمة.

وقد أوضحت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، أن هدف الإدلاء بالشهادات «ليس الانتقام». وأكد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، أن جلسات الاستماع للشهود، بمثابة مؤشر «على أن تونس تسير على الطريق الصحيح في معالجة جراحها وأمراضها بطرق حضارية لا انتقامية».

وكانت الهيئة، حتى وقت قريب، قد اكتفت بالاستماع إلى إفادات حوالي 11 ألفاً من الشهود الذين يدخلون في عداد ضحايا نظامي الرئيسين التونسيين السابقين، زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة. ويشكل بث مثل تلك التظلمات السابقة على الهواء، تجربةً فريدةً في العالم العربي، لا سيما أنها ترمي للتعافي الاجتماعي، وتجديد الثقة بمؤسسات الدولة.

وقال أحد الشهود، ويدعى سامي إبراهيم: «إذا سألتني رأيي الشخصي، فأنا لا أريد سوى الحقيقة، ولا بد لتلك الحقبة المظلمة من أن توثق، فلا يتكرر حصولها. ولن يضطر أبناؤنا وبناتنا إلى العيش بالطريقة ذاتها على الأقل».

وستعقد الهيئة جلستي استماع علنيتين ثانيتين، في كل من شهري ديسمبر ويناير، وبمناسبة الذكرى الهامة للثورة الديمقراطية التي حصلت قبل خمس سنوات. وسيسفر الأمر عن إصدار توصيات بالإصلاح وملاحقة مسألة التعويضات للضحايا. وتأمل بن سدرين، أن تتمخض العملية «عن عدم قبول تونس بأي انتهاكات لحقوق الإنسان بعد اليوم».

عادةً ما تتبع الدول الخارجة من الصراع والاضطهاد، طريق الثأر، إلا أن براين كلاس من معهد لندن للاقتصاد، يعتبر أن الدول التي تسعى لإيجاد السبل الآلية لإشراك المجموعات والشخصيات المثيرة للجدل، بعد التفتيش عن حقيقة فظاعات الماضي وتوبة المعتدين، هي الدول التي تتمكن على نحو أفضل من العيش في أجواء من السلام والمصالحة.

ويشكل الدرس الذي تعطيه تونس اليوم، حاجة ماسة لمساعدة الشرق الأوسط لتفادي الدخول في دوامات العنف اللا متناهية، كما يحصل في كل من العراق وسوريا واليمن. وها هي تونس ترسي اليوم نموذجاً للدول العربية، وتقدم مثالاً آخر عن «الربيع» الرامي هذه المرة لضمان التعافي، والشفاء من الماضي.