تتلخص أولوية السياسة الخارجية للرئيس الأميركي العتيد، بالعمل على كيفية تفادي المواجهة المباشرة مع الصين وروسيا. لا سيما أن البلدين يتحديان اليوم بطرق مختلفة، الهيمنة الأميركية، ما ينذر بنشوب حرب جديدة بين القوى العظمى. ويؤكد، بمعزل عن النتيجة، العودة إلى عالم إعادة توازنات القوى الكبرى.
ويعتبر اقتصاد الصين، من حيث القدرة الشرائية، مماثلاً لأميركا، في حين أن العسكر قد استثمر في وسائل تخوله مواجهة القوة الأميركية، وهو يمارسها بالفعل في بحر الصين الشرقي والجنوبي. وقد تخلى الرئيس الصيني، شين جينبينغ، عن سياسة نظيره الأسبق، دينغ شياوبينغ، واستراتيجية «الاختباء والانتظار»، وطالب بثقل وتأثير صينيين يوازيان قوة البلاد. وقد أثار بموقفه هذا، الحساسيات مع أميركا وحلفائها في شرقي آسيا.
أما روسيا، فقد وضعت منذ عام 2000، عائدات أسعار النفط المرتفعة في خدمة التطوير والتحديث، وهي لا تعتبر ضمن القوى الاقتصادية العظمى، إلا أنها تمتلك قدرات عسكرية تحفظ أمنها، وتعيد بناء كتلة نفوذها خارج الحدود. وقد حققت روسيا مكاسب بتحركها الحاسم في أوكرانيا وسوريا، كما في مجال العالم السيبراني، ما عزز رغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتحدي أميركا.
وقد شهد النفوذ الاقتصادي للغرب، تراجعاً حاداً، حيث إن القوى السبع من الدول الطليعية في الغرب، قد تقلصت مساهمتها من 70 في المئة من الناتج القومي المحلي العالمي، إلى 47 في المئة فقط اليوم، ولا تزال تشهد تراجعاً.
ولم يعد النموذج الديمقراطي الغربي في سياق مشابه، يحظى بالجاذبية عينها، كما في السابق، حيث القوة تتركز في أشخاص نافذين، بدلاً من المؤسسات.
ترغب روسيا بالعودة إلى عالم ممارسة النفوذ، في ظل ثلاث قوى عظمى، تشكل إدارة الأمن العالمي. أما الصين، فتريد عالماً قائماً على قوتي نفوذ، علماً بأن بكين تستعد لاحتضان موسكو كشريك أصغر، وليس كندٍّ لها، ومع أن القيادة الصينية لا ترغب في الدخول بمواجهة مع الولايات المتحدة، إلا أنه من الصعب تصور علاقة ما قائمة على تعاون القوتين العظميين.
وتحتاج أميركا في هذه الأثناء، أن تحافظ على هيمنتها، دون أن تضطر للتكيف مع التوزيع العالمي الجديد للقوى. وقد حاولت إعادة ضبط العلاقات مع روسيا، وعملت جاهدة على بناء علاقات اقتصادية مع الصين، أن النتائج أسفرت عن مراوحة بين دفء العلاقات وفتورها إلى حدّ التجمد وفرض العقوبات. ولا يوجد إطار عمل استراتيجي جدي يحكم روابط واشنطن بكل من موسكو وبكين.
ولا بد اليوم من وضع الاستقرار العالمي أولاً، حيث الدفاع ضرورة ملحة. ويتطلب ذلك قبول كل من الحكومات بنظام الدول الأخرى، بغض النظر عن عمق خلاف وجهة النظر معها. وستكون الحلول التعاونية للمشكلات الإقليمية، أقرب للتطبيق، بغياب تقويض القوى العظمى أحدها للأخرى بشكل غير مباشر. وتتمتع أميركا بميزة هامة في هذا الإطار، تتلخص بشبكة تحالفات لا بدّ من تعزيزها. علماً بأن الإسراف في النزاعات الاقتصادية مع أوروبا يضر بالطرفين.
قد لا يشكل وضع علاقات الدول العظمى أولاً، مصدر ترحيب لدى كثر، وسيراه البعض على أنه مجرد تأقلم مع السلوك غير المقبول من قبل الأنظمة غير الديمقراطية، لكن ينبغي علينا التعامل مع العالم كما هو، ليس كما نرغب بأن يكون. ولا يسعنا أن نتعثر في مواجهة عسكرية بين القوى العظمى.
ربع قرن
لم تدم حقبة الأحادية الأميركية أكثر من ربع قرن من الزمن، وقد سرّع نهايتها، اندلاع الحروب المبالغة المطامع، والأزمة المالية التي ضربت العالم بين عامي 2007 و2008. إلا أن أميركا لا تزال الدولة الأقوى، وهي تسبق بأشواط بقية الدول، من حيث التقدم التكنولوجي وقوة الشركات، لكنها ما عادت تهيمن على العالم.
