يُسطّر الهجوم الذي استهدف الموصل، أخيراً، واقعاً يعكس مدى خطورة حقبة الأشهر الثلاثة المقبلة في العلاقات الدولية، سيما أن أعمال الاقتتال في منطقة الشرق الأوسط تشهد تصعيداً.
ووتيرة التوتر بين روسيا والغرب تزيد احتداماً، والعلاقات بين الصين وجيرانها من دول آسيا تتضاعف نزفاً. ويحصل كل ذلك على وقع الانصراف الأميركي إلى الميلودراما بين ترامب وكلينتون ومرحلة الانتقال إلى عهد رئاسي جديد.
أما بالنسبة لروسيا والصين غير الممتنتين علانيةً من سيطرة أميركا على النظام العالمي، فإن رؤية الولايات المتحدة مشتتة تشكل فرصةً لهما. إلا أن موسكو وبكين تنظران بعين الريبة إلى المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وتعتقدان أن وصولها المحتمل إلى سدة الرئاسة ينذر بممارسة سياسة خارجية أكثر تشدداً.
قد يبني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حساباته على أن الإدارة الأميركية، التي رفضت القيام بأي تحرك عسكري ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ العام 2011، من غير المرجح أن تعكس المسار خلال الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما. لكن إذا مارس الروس المزيد من الضغط، فقد يخطئون في الحسابات، ويدفعون أميركا لإبداء رد فعل.
وبمعزل عن تفاقم الأوضاع في سوريا، فإن أعمال الاقتتال في الشرق الأوسط ستتكثف في الأسابيع القليلة المقبلة، بعد أن بدأت الحكومة العراقية بدعم من طيران قوات التحالف بقيادة أميركا عملية عسكرية لاستعادة الموصل.
وسيكون أوباما سعيداً بعين على الإرث وأخرى على الانتخابات الرئاسية، أن يحقق فوزاً منتظراً على «داعش» علما بأن التورط عسكرياً في العراق بدل سوريا أقل خطورة لجهة حدوث صدام مع روسيا.
ويشعر الروس بأن الأشهر القليلة المقبلة توفر فرصةً في شرق أوروبا وأوكرانيا، نظراً لانشغال الاتحاد الأوروبي بقضية البريكسيت، ومجريات السباق الفرنسي الرئاسي.
وتبدو الحكومة الصينية في هذه الأثناء أكثر تحكماً بزمام الأمور، وأكثر ضبابية في عدوانيتها من موسكو، غير أن تحركات بكين في الأشهر القليلة الماضية قد أثارت حفيظة جيرانها. وشعر الصينيون بالغضب إزاء قرار المحكمة الدولية في يوليو الماضي القاضي بأن مزاعم بكين حول امتلاك المساحات في بحر الصين الجنوبي مخادعة إلى حد بعيد.
ولا تزال دول جنوب شرق آسيا تترقب بحذر إمكانية مضي الصين قدماً في بناء الجزر في بحر الصين الجنوبي وإرفاقها بمزيد من التحركات التصعيدية.
بينما يحزم أوباما أمتعته لمغادرة البيت الأبيض قريباً، فإنه قد ينظر إلى الوراء ممتعضاً من أهداف السياسة الخارجية التي وضعها قبل ثماني سنوات.
كان يفترض أن يصار إلى «إعادة ترتيب وتنسيق» تفضي إلى تحسين العلاقات مع روسيا، كما كان ينبغي أن يتم التأسيس لعلاقات أوثق وأحدث مع الصين. أما الحرب في الشرق الأوسط، فكان يجب أن يوضع حد لها.
لم تثمر أي من تلك السياسات، ولا أعطت النتائج المرجوة. في حين أن أوباما سيكون محظوظاً إذا تمكن من تسيير أعمال الأشهر الثلاثة الأخيرة من ولايته دون أن يشهد كرئيس على أزمة دولية أساسية.
قرارات
لا تشكل أميركا المنهمكة في ظل الأوقات العادية مثل تلك الأهمية، إلا أن الوضع يختلف في ظل القرارات الكبرى والخطيرة التي تلوح في الأفق. ففي الشرق الأوسط، أفضى قصف حلب من قبل الحكومتين الروسية والسورية إلى شبه انهيار في العلاقات بين موسكو والغرب، وقد يتطور الوضع إلى مواجهة مباشرة بينهما.
