أعطى رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، الضوء الأخضر، أخيراً، لإجراء عملية عسكرية واسعة النطاق، لاستعادة السيطرة على مدينة الموصل، المعقل الرئيس الأخير لتنظيم «داعش» في العراق، وذلك عقب عامين من الانهيار الحاد، وأشهر من الاستعدادات التي تشوبها الخلافات والانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، فاستقطبت المراحل الأولية للمعركة اهتمام العالم، ومن المتوقع أن تكون المعركة طويلة ومعقدة، لا سيما مع اقتراب القوات العراقية من أحياء المدينة ووسطها.
وبالنسبة إلى «داعش»، فإن هذه المعركة بمثابة حرب وجودية، بعد سلسلة من الخسائر الإقليمية، أخيراً. بينما هي بالنسبة إلى حكومة بغداد، معركة ستشكل مستقبلها، في ظل الصراعات الداخلية الهادفة لإنقاذ النظام السياسي. في حين أن قوات التحالف التي تقودها أميركا لتحرير الموصل، ستقطع شوطاً طويلاً في دحض الانتقادات القائلة إن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تؤدي أعمالها بوتيرة بطيئة للغاية، وأحياناً دون استراتيجية واضحة، لسحق العدو الخطير الذي يهدد المنطقة.
في الوقت الراهن، يبدو أن الضغط الأميركي على العبادي، مقروناً بالتحذيرات التركية، قد نجح في تحييد تعبئة قوات «الحشد الشعبي»، المثيرة للجدل. وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من الجيش العراقي والقوات الخاصة لمكافحة الإرهاب، تأخذ زمام المبادرة في العملية الحالية، بمساعدة مقاتلي البشمركة الكردية، في الوقت الذي يوفر التحالف الذي تقوده أميركا، الغطاء الجوي، والدعم اللوجستي، والمشورة الحربية. لقد قدمت الساعات الـ 24 الأولى من المعركة، دلائل على أن مقاتلي التنظيم الإرهابي يتخلون عن أراضٍ، ويتراجعون باتجاه مركز الموصل.
وانطلاقاً من المواجهات السابقة بين الجانبين المتحاربين، فإن أكثر ما يثير القلق، هو مسألة سلامة ما يقدر بنحو 1.5 مليون من سكان المدينة، التي تعد ثاني أكبر مدينة في العراق. فخسائر الأرواح المدنية، هي التي ستحدد درجة نجاح أو فشل تلك العملية، في النهاية. إذ لم يتورع إرهابيو «داعش»، الذين يقدر عددهم بما يتراوح بين 4 آلاف إلى 8 آلاف مسلح، لم يتورعوا عن استخدام المدنيين كدروع بشرية. وستتم محاصرة أولئك المدنيين بين الجانبين، وفي حال لجوء أفراد التنظيم لزراعة الألغام في المنازل والمباني العامة، كما فعلوا في مدينتي الرمادي والفلوجة، فإن مستوى الدمار في المدينة سيكون هائلاً.
وكما توقع بعض المراقبون، فإنه من الممكن أن تنتهي المعركة في غضون أسابيع، إذا ما تم ضرب البنية الأساسية للقيادة والسيطرة في «داعش» بكل قوة، ليبدأ المقاتلون في الفرار، بشكل جماعي. في حين يمكن أن تستغرق الحملة العسكرية شهوراً، الأمر الذي يزيد من المخاطر الإنسانية، ويبرهن على أن تكون المعركة مكلفةً لجميع الأطراف. بيد أن هنالك أمراً واحداً جلياً، يتمثل بأنه كلما طال أمد هذه المعركة، فإن حيدر العبادي سيدفع ثمناً سياسياً أكبر.
والسؤال المطروح حالياً، هو المدة التي يمكن لرئيس الوزراء العراقي البقاء راسخاً، وإدارة ذلك الهجوم، مع استمراره في إبعاد الإيرانيين و«الحشد الشعبي». إن سمات مدينة الموصل الديمغرافية والاقتصادية والجغرافية، تجعلها بمثابة كسب كبير لحكومة بغداد، وبالنسبة للأكراد أيضاً، وحتى الأتراك والإيرانيين. فهي تقع في قلب المنطقة الغنية بالنفط، المتنازع عليها، حيث قدم الأكراد عدداً من المطالبات بها. وبالنسبة إلى تركيا، التي رفضت طلبات العبادي بسحب قواتها من قاعدة «بعشيقة» العسكرية، فإن منع «الحشد الشعبي» من دخول المدينة ذات الغالبية السنية، هو هدفها الاستراتيجي. ومن المفارقات، وعلى الرغم من التوترات الأخيرة، فإن أنقرة وبغداد، قلقتان على حد سواء، من المطالب الإقليمية الكردية في منطقة الموصل، لأسباب مختلفة.
ويكمن الهدف الرئيس من الهجوم الأخير، بالنسبة إلى أميركا، في توجيه صفعة لتنظيم «داعش» في العراق. فالرئيس الأميركي باراك أوباما، حريص على إعلان النصر ضد الجماعة الإرهابية قبل مغادرته المنصب في شهر يناير المقبل. كما أن تحقيق النصر في الموصل، وهو ما سيعمل على قطع الطرق البرية بينها وبين مدينة تلعفر على الحدود السورية، التي يسيطر عليها «داعش»، سيعزز الجهود الرامية لاستعادة مدينة الرقة في سوريا خلال الأسابيع المقبلة.
تحديات
يتعين على الحكومة العراقية بعد تحرير الموصل التغلب على التحديات السياسية الكبرى، حيث يجب على العبادي إقناع الأكراد بالانسحاب من المدينة والمناطق التي احتلوها في محافظة نينوى، وهو أمر يسهل قوله، مقارنة بتحقيقه. كما يجب عليه كسب ثقة السنة في العراق والمقيمين في المدينة، من خلال تسريع عملية إعادة العائلات المهجرة، وإعادة بناء الموصل.
ستبرهن عملية استعادة مدينة الموصل على أنها حدث أساسي هام في تاريخ العراق ما بعد الغزو الأميركي. وبينما ينقشع الغبار إثر المعركة ، سيكون على العراقيين معالجة التحديات الوجودية التي مزقت بلادهم.

