اختتمت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني تقريرها حول حرب 2011 في ليبيا بإلقاء اللوم على قوات التحالف لتركيزها حصراً على «تغيير النظام بالوسائل العسكرية»، إلا أن ذلك ليس دقيقاً تماماً، فالمصداقية تقتضي إقراراً منا بأنه في كل مرحلة من مراحل الصراع أعطي الرئيس الليبي الأسبق فرصاً كثيرة للقبول بالمفاوضات.
وتوفر خيار المنفى إلى زمبابوي، الذي طلب إلى رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو برلسكوني اقتراحه في مارس من العام ذاته. كما كان هناك وعد لرئيس أركان القذافي بالسماح له بالرحيل، وعدم الاضطرار بالتالي للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية. وبرزت أيضاً مهمة الوساطة في يوليو التي طرحها رئيس وزراء إسبانيا الأسبق خوسيه ماريا أزنار، واقتراح زيارة جربة التونسية في 19 أغسطس من قبل رئيس وزراء فرنسا الأسبق دومينيك دو فيلبان.
وامتنعت في الوقت عينه مقاتلات التحالف وحتى النهاية عن قصف موقع مهبط الطائرات الخاص في منطقة باب العزيزية المحصنة، حيث كان يمكن أن تقلع طائرة القذافي الخاصة في أي مرحلة، وتؤمن منفذ هروبه. وقد أعلنت تلك الحقائق والوقائع في حينه، بما يثبت أن قرار إخراج الصراع من دائرة الإخفاق كان بيد القذافي وحده دون سواه.
ويأخذ تقرير اللجنة على الحلفاء إخفاقهم في «تحديد الفصائل المتشددة في الصراع»، وهذا أمر غير دقيق أيضاً، فالحقيقة أن مخاطر التشدد كانت تهدد جميع الأطراف الضالعين في المسألة. ولا يزال الجميع يتذكر كلام الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند حين قال: «لم تفعل فرنسا ما فعلته لتجد نفسها يوماً إزاء دكتاتورية متشددة قد تثبت أنها أكثر سوءاً من حكم القذافي»، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود المتشددين في ليبيا أو لا، بل بالتفكير في كيفية عدم زيادة أعداد المتطرفين الموجودين أصلاً، وكيف نضمن عدم تغذيهم على نيران الثورات المندلعة في المنطقة؟
وتكمن الإجابة في الاعتماد بقدر المستطاع على الجهات المعتدلة، والذهاب باتجاه تقليص المساحة السياسية كما العسكرية للمتطرفين. وما زلت أؤمن بعد خمس سنوات بأننا كنا على المسار الصحيح، المسار الذي حال دون تحول ليبيا إلى سوريا أخرى. كما أنه أحد الأسباب التي دفعت الليبيين إلى عدم الترحيب بتنظيم «داعش» عند محاولته التمركز في البلاد، ومقاومته بحد السلاح من درنة لسرت.
وأخيراً، انتقد التقرير كلاً من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون للمبالغة في مستوى التهديد، الذي فرضه القذافي على المدنيين، والتصرف دون أخذ الوقت الكافي «لتحديد مصدر التهديد الحقيقي، الذي فرضه نظام القذافي على المدنيين»، في جدلية مشوبة كسابقاتها بعدم الجدية، إذ كيف لنا أن نحدد «التهديد الحقيقي»؟ هل كان يجب أن ننتظر موت مئات الآلاف، وتسلل المتشددين إلى المدن؟
يشكل التدخل في ليبيا بحد ذاته، والاستجابة لنداء الليبيين، الذين حسموا القرار بعدم السماح لدكتاتور مجنون بالمضي في اتباع نهج السنوات الاثنتين والأربعين الماضية أكثر، والتحالف المشكل مع الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، والتطبيق اللاحق لقرار الأمم المتحدة المتبنى للمرة الأولى في التاريخ وفقاً لمبدأ مسؤولية الحماية وبتفويض من مجلس الأمن، نموذجاً مناقضاً بالكامل لنموذج العراق.
إخفاق
يعتبر فشل قوات التحالف في النهاية أمراً محزناً، إذ أنها أخفقت في أداء واجبها في مساعدة ليبيا المحررة على بناء أسس الدولة والمجتمع. من المؤكد أن شبح حرب العراق قد لاحق الديمقراطيات الأوروبية، وألحق بها الشلل، ومنعها من الوقوف إلى جانب الدولة الناشئة في الطريق الطويل للبناء.

