يعتبر تركيز السياسيين والمحللين في أوروبا والولايات المتحدة على التهديد الذي يشكله تنظيم «داعش» على الغرب أمراً مفهوماً، وتشتد حدة الجدل حيال ما إذا كانت الاعتداءات التي نفذها، أخيراً، مجرد لهاث يائس لتنظيم في طور الانحدار أو دليل على تنامي وتيرة التهديد.

إلا أن هذا التركيز يحجب وعيداً أكبر يفرضه «داعش» على الشرق الأوسط والمصالح الأميركية في المنطقة. ويمكن إدراج هذا التهديد ضمن ثلاث فئات، هي السيطرة والتوسع والتحريض، التي تنعكس مجتمعةً في مضاعفات خطيرة على سياسة أميركا، ومن المفترض أنها ستحدد دورها في الشرق الأوسط، على الرغم من انحسار موجة العنف في الغرب.

خطر توسع داعش

لطالما سعى تنظيم «داعش» لزيادة نفوذه من خلال الترسيخ وتوسيع حدود شبه الدولة المزعومة له في سوريا والعراق. وقد سيطر في أوج قوته عام 2014 على أجزاء واسعة من البلدين وأدرجها تحت سلطته.

إلا أن التحالف بقيادة أميركا وحلفائها المحليين حدّ من توسع التنظيم العسكري، وقلّص حدود مناطق سيطرته. وقد انعكس ذلك مشكلات مالية جسيمة على التنظيم، وقلل عديد المقاتلين الأجانب، وأضعف جاذبية «داعش» عموماً.

وسعى أعضاء التنظيم كذلك إلى التمدد عبر إنشاء ولايات لهم في العالم الإسلامي، مما زاد خطر اندلاع حروب أهلية في مناطق جديدة، وساهم في مفاقمة تلك القائمة.

ويمارس تنظيم «داعش» نفوذاً يتعدى نطاق الأراضي التي يسيطر عليها، فيساهم في سياسة التحريض الإقليمي عموماً. وليست اعتداءاته الإرهابية في كل من لبنان وتركيا وغيرهما سوى انتقام لسياسات الحكومات المعادية.

كما أنها تشكل محاولات لإثارة النعرات الطائفية ورسم معالم السياسات الإقليمية في المنطقة، بحيث تعكس استراتيجية التنظيم ونظرته للعالم. ويساهم العنف الذي يمارسه «داعش» بتحفيز أصوات التطرف وإثارة الخوف من انتشار الفوضى، ونبش قضايا تقسيمية كالطائفية في منطقة شديدة الانقسام.

التنظيم والإرهاب المنظم

ويزيد بقاء التنظيم في منطقة الشرق الأوسط خطر وقوع الأعمال الإرهابية في الغرب، علماً بأن النجاحات التي حققتها الولايات المتحدة والقوات الحليفة على امتداد العام الماضي لم تقف عائقاً أمام استخدام التنظيم المناطق التي يسيطر عليها، ولن تمنعه في المستقبل ربما من استغلال الأراضي التابعة لـ«ولاياته» المزعومة للتخطيط لاعتداءات إرهابية خارج المنطقة، على غرار ما حدث في باريس في نوفمبر 2015.

وتنبثق عن موجات العنف التي يسببها «داعش» هجرة اللاجئين بأعداد كبيرة، وظهور أزمة إنسانية أوسع نطاقاً. وعلى الرغم من أن تدفق اللاجئين قد شكل الضربة الأقسى لدول المنطقة، إلا أن الأزمة اتخذت منحىً عالمياً، وأسفرت عن عواقب وخيمة بالنسبة للدول الأوروبية والولايات المتحدة وحلفائها. وليس فرار الكثير من اللاجئين من سوريا إلا هرباً من إساءات نظام الرئيس السوري بشار الأسد والصعوبات التي يواجهونها عموماً، علماً بأن ألوف الفارين قد غادروا من المناطق التي تقع تحت سيطرة تنظيم «داعش».

وتضاف إلى تدفق أعداد اللاجئين، الممارسات البغيضة بحق السوريين كالاستعباد والاستغلال الجسدي وذبح الأقليات بما يولد مخاوف حقيقية على المستوى الإنساني. ويعمد تنظيم «داعش» إلى استهداف منظمات تقديم المساعدات الدولية، بما يقلص من هامش تأمين الخدمات المجتمعية للمناطق الأشد تعرضاً للقصف.

وفي النهاية، يستخدم «داعش» كذريعة تخويف للأنظمة الديكتاتورية مع تعاملها مع الغرب، وكـأنه «بعبع» ما، ويلجأ قادة الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة إلى توظيف المخاطر الحقيقية التي يمثلها التنظيم واعتمادها كحجة لتأجيل أو إلغاء الإصلاحات الديمقراطية، وقمع المناوئين، أو أنهم يقايضون المصالح الأمنية الأميركية مقابل اهتمامات أميركية أوسع حول نشر الديمقراطية والحوكمة الجيدة.

لذا فإنه حتى لو تلاشى خطر الإرهاب على الغرب، فلا بدّ لأميركا وحلفائها من إدراك أن «داعش» سيعمل حتماً على تحديد معالم سياساتها الخارجية حيال الشرق الأوسط.