شكلت الهجرة وأزمة اللاجئين إحدى الإشكاليات الكبرى التي واجهت أوروبا على امتداد شهور العام المنصرم. وقد أحدث وصول ما يزيد على مليون شخص في أواخر العام 2015 اضطرابا هائلا لسياسة أوروبا ومؤسساتها، وبرز كتحدٍّ لها إزاء إدراكها لذاتها ولمكانتها في العالم فاق أي تحدّ واجهها منذ سقوط جدار برلين. وسيكون من الحماقة بمكان تصوّر أن الأزمة قد وصلت إلى خواتيمها اليوم، وأن أعداد الوافدين لن ترتفع مجدداً.

وسطّرت أواخر شهر أغسطس المنصرم لحظةً حاسمة لألمانيا، التي أعلنت أنها ستستقبل جميع اللاجئين السوريين، ولن تعيدهم إلى الدول التي شكلت أولى محطات دخولهم إلى أوروبا.

وقد رحبت العديد من الأوساط بخطوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كنموذج للإنسانية، غير أن أوروبا فشلت في عدد من الجوانب في تخطي الاختبار الأخلاقي، حيث اتخذت أزمة اللاجئين الأسوأ في أوروبا الحديثة طابعاً تحولياً، لم يتوقعه كثيرون أو يستعدوا له.

وقد خضعت دول الاتحاد الأوروبي والأوروبيون عموماً للتقييم، في خضم الأزمة. فعلى المستوى السياسي، عززت أزمة اللاجئين الأحزاب القومية و الشعبوية التي تنامى نفوذها من النمسا إلى اسكندنافيا بطرق قد نظل نشهدها لزمن طويل.

وما كانت خطوة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي لتحصل لولا وجود المخاوف التي تغذت على مشكلة اللاجئين، واستغلال صورهم في لافتات أحزاب بريطانية. أما حالة الفوضى والمأساة الممتدة من كاليه شمالاً وصولاً إلى كوس ولامبيدوزا جنوباً، فكشفت حدة الانقسامات السائدة في الاتحاد الأوروبي وانعدام كفاءته، وعززت الضغوطات السياسية المركزية، التي قد لا يقف تأثيرها عند حدود «البريكسيت».

وظهرت أوروبا بمظهر الخاسر الأكبر، على الرغم من انعقاد مؤتمرات القمة والمباحثات اللامتناهية حول تقاسم حصص اللاجئين، التي لعبت فيها بريطانيا دوراً محدوداً بشكل ملحوظ. وقد تسبب تعاملها الأخير مع تركيا بالأذى لبعض مبادئ حقوق الإنسان التي تنادي بها.

وأذكت الاعتداءات الإرهابية التي ضربت فرنسا وغيرها من دول أوروبا حالة الذعر من المهاجرين. واستفاد من الوضع الحركات المناهضة للإسلام، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، أما فرنسا فلا تزال تزعزعها إشكاليات على علاقة بالبوركيني، على الرغم من الترحيب الأخير بحكم المحكمة تعليق قرار الحظر.

وبرزت من جهة أخرى العديد من المؤشرات التي تدلّ على تعاضد وبعد إنساني. وقد عملت شبكات تضم مواطنين عاديين على توزيع المأكل والملبس وتوفير المسكن للاجئين، كما تقدم المتطوعون لتوفير الدعم للموجودين على الشواطئ وفي المخيمات. وعلقت لافتات الترحيب باللاجئين على المنازل وملاعب كرة القدم، ودور العبادة، وحتى المباني الحكومية.

يعتبر الأوروبيون بعد عام من العثور على طفل كردي جثةً هامدة على شاطئ، في موقع يظهر عدم كفاءتهم. وقد أدركوا أن ما يحصل في بقية أنحاء العالم يترك تأثيراً عليهم أكبر من الذي يتخيلونه، في إدراك كئيب متأخر حلّ على أوروبا التي كانت يوماً إحدى القوى المؤثرة في العالم.

 لقد طالعت الأوروبيين حقيقة أن منطقتهم واحدة من الأغنى على وجه الكرة الأرضية، وأن العديد من اليائسين الفارين للنجاة بحياتهم يريدون الوصول إليها.