يزيح التدخل التركي الأخير في سوريا، الستار عن إعادة تموضع سياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ترمي لإنهاء فترة طويلة من العزلة الدولية، واصطفاف واضح لتركيا مع شركاء دوليين، على رأسهم أميركا.

وتأتي هذه النقلة التكتيكية، عقب سلسلة من الاعترافات من كبار مسؤولي الحكومة التركية، حول انعكاس مواقف تركيا المتعنتة في السنوات الأخيرة على أمنها واقتصادها، الذي كان يوماً ما في أوجه.

وقد شكلت سوريا نقطة الانطلاق، حيث شن تنظيم «داعش» اعتداءات على الأراضي التركية، وحيث صقل المسلحون الأكراد الأتراك مهاراتهم القتالية، وأرضية شهدت مواجهات مع حلفاء سابقين، مثل روسيا وإيران، أثرت سلباً في الاقتصاد.

إعادة تموضع سياسية

وأكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، الذي تبوأ منصب رئاسة الحكومة في مايو الماضي، والرجل الذي تعتبره الأوساط الحكومية مهندساً بارعاً في تطبيق خطط الأعمال والسياسة، عزمه على تحقيق الأهداف الرئيسة، المتمثلة بجعل تركيا نموذجاً لجيرانها في المنطقة، ومركز النفوذ الإقليمي، وسوقاً ناشئة رائدة في المنطقة.

وستكون سوريا واحدة من أولى المناطق التي تشهد تطبيق إعادة التموضع السياسي. وشكلت انعطافة تركيا مرادفاً لتبني نهج دبلوماسي أكثر براغماتية، يحظى بتأييد أكبر من قاعدة رجال الأعمال العصاميين داخل الحزب الحاكم، ويشكل بديلاً للجناح الأيديولوجي ذي المعتقدات الأكثر ميلاً للعاطفية والتدين، بحسب عدد من كبار المسؤولين الأتراك.

وشدد مسؤول تركي رفيع كذلك، على أن توحدّ الحزب الحاكم والتفافه حول الواجب الأخلاقي، القاضي بوقف العنف في سوريا، قد ساعدا في تمهيد الطريق نحو إعادة ترتيب العلاقات مع روسيا.

وعلق نائب رئيس الوزراء، نعمان كورتوملوش، على المسألة بالقول: «لم تتمكن أي دولة، وتركيا من ضمنها، من وضع سياسة ممكنة تفضي للحلّ في سوريا. وقد تكلمت عن الأمر لسنوات. بإذن الله، سنجد قريباً حلاً للأزمة، يكون مقبولاً من السوريين. وتجري في هذه الأثناء، مساعٍ في هذا الصدد، حيث تعتبر العلاقات مع روسيا في هذه المرحلة، في غاية الأهمية».

موقع ثقل دبلوماسي

وتحرص تركيا في الإطار ذاته، على إقامة علاقات أوثق مع واشنطن. وقد أشار مسؤول رفيع في الحكومة التركية، إلى أن بلاده ترغب بأن تتمكن من لعب دور، باعتبارها موقع ثقل دبلوماسي في المنطقة، على غرار لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران. إلا أنه لا يزال من غير الواضح، ما إذا كانت تركيا قد بدأت بلعب هذا الدور فعلاً أم لا.

ويتاح لأي مراقب، أن يلاحظ أن تركيا قد خففت من حدّة موقفها إزاء الرئيس السوري بشار الأسد، بعد أن أعلنت تأييدها لضرورة الإطاحة به بأي ثمن.

ولطالما شعرت أميركا وحلفاؤها بالارتياب حيال الاستراتيجية التركية المؤدية إلى ذلك، لا سيما في ظل السماح لمقاتلي المعارضة من كل الأطياف باستخدام حدودها، بما في ذلك مقاتلي «داعش» والقاعدة.

إلا أن العملية التي نفذتها تركيا ضد مواقع للتنظيم في جرابلس، تشير إلى إعادة تفكير في مواقفها. أضف إلى ذلك أن التحرك التركي يسلّط الضوء على وجود أرضية مشتركة بين تركيا، وكل من أميركا وروسيا وإيران، حيال سلامة الأراضي السورية ووحدتها. ويذكر أن إحدى المسائل التي أطلقت شرارة العملية، شعور واشنطن وأنقرة بعدم التزام المقاتلين الأكراد السوريين، وسيطرتهم على مناطق شاسعة من الأراضي الممتدة على طول الحدود التركية.

ويسعى الأكراد في سوريا، على غرار المقاتلين الأكراد من الداخل التركي، إلى إقامة منطقة مستقلة لهم وللإثنية الكردية. ويشير المسؤولون إلى استعدادهم للتغاضي عن عدد من القضايا التي تثير مخاوف دبلوماسية، طالما أن حلفاءهم يوافقون على الحيلولة دون سيطرة الأكراد وإقامة دولتهم.

وأكد مسؤول تركي رفيع، الأمر، بالقول: «بغض النظر عن أي شيء آخر، إذا أبدى حلفاؤنا الموافقة على هذه النقطة، فإننا على استعداد للتباحث معهم».