يعتبر الغموض، في عالم السياسة من المستوى الرفيع، أحد الأصول الخاضعة لقانون الغلة المتناقصة، في وضع ينطبق تماماً على رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي بدأت مع اقتراب نهاية عطلتها تتأمل الملفات، التي تنتظرها، وتقلّب بوقار أوجه تحديد خطها السياسي بصورة كاملة أمام البلاد، التي تتولى قيادتها.
وسيتولى مؤرخو المستقبل البحث في مسألة صعودها الخفي لمنصب رئاسة الوزراء، بوصفها سيدة استخدام قوة النفوذ الكتوم من الطراز الرفيع، وقد أحجمت كونها وزيرة للإسكان عن الاستعراض المتكلف، وأمضت وقتاً أقل من زملائها في احتلال مساحة إعلامية.
وارتكزت استراتيجيتها على ترك الآخرين يتقاتلون في ما بينهم والمشي فوق جثثهم السياسية نحو شارع «داوننغ ستريت».
وما إن تحولت مهزلة الحملات القيادية المشرذمة انحداراً إلى مأساة من النوع الشكسبيري، حتى بدت ماي تنساب برفق ودون اعتراض معترض نحو 10 داوننغ ستريت. وكان تماسكها واتزانها في البداية كافيين كونهما مؤشراً يدلّ على أن الحكومة في أيدٍ أمينة، لكنها باتت ملزمة اليوم بالتعريف عن نفسها بإسهاب أكبر أمام الرأي العام، وإيضاح ماهية شعارات «الأمة الواحدة» ونوع المجتمع الذي تتطلع إلى تغذيته.
وتعتبر ماي، كسلفها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق غوردون براون، صنفاً من السياسيين لا يسهل استبطان الرأي العام له، كما أنها لا تشترك مع سلفها المباشر رئيس الحكومة السابق ديفيد كاميرون في خاصية الميل للظهور بلباس العصرنة المتماشي مع صرعات العالم الرقمي، إلا أنه ينطبق عليه المثل القائل «من أفعالهم تعرفونهم»، وهي ستلجأ لاستخدام حبر الاستراتيجية والحنكة السياسية لملء فراغات صورتها السياسية الذاتية.
وقد نقل الذين يعرفون ماي جيداً رغبتها بألا يتم تذكرها على أنها السياسي، الذي قاد دفة بريطانيا الخارجة من الاتحاد وحسب، على الرغم من أهمية الموقع. وقد سبق لها أن أعربت عن إيمانها باستراتيجية صناعية أكثر شموليةً من مشروع «مركز توليد القدرة الشمالي» لتعزيز النمو الاقتصادي، الذي نادى به أوزبورن يوماً.
من ضمن اللجان الحكومية الجديدة، التي أنشأتها جذبت اهتمام حلفاءها لمجموعة الإصلاحات الاجتماعية وأهميتها المحورية في طريقة تفكيرها، وقد تعهدت ماي في أول تصريح لها كونها رئيسة للحكومة، بمحاربة ما أسمته «الإجحاف المستعر» للفقر، والعنصرية وانعدام المساواة بين الجنسين، والتخفيف من حدة الصراع الذي يتصدى للعائلات، التي «بالكاد تتدبر أمورها».
لم يسبق لأي زعيم محافظ أن أعرب عن مثل تلك الطموحات الأساسية في مجال إعادة تصور المجتمع، ولا سبق لأي من المحافظين الميالين إلى الحداثة أن انطلق بمثل تلك الجرأة إلى المجال، الذي هجره قادة حزب العمال منذ زمن لانشغالهم باحتفالية تمزيق بعضهم البعض.
ينطلق عهد ماي مسرعاً، ولا يزال من المبكر كثيراً التكهن بنوع الحكم، الذي ستطلقه عليه الأجيال القادمة، وقد يكون بساط التمنيات أقصر مما تطال يديها، إلا أن الذين اعتبروا ماي رئيسة تكنوقراط مملة وحسب، تلقوا مفاجأة من العيار الثقيل، فهي لا تخاف من الحلم.
إلحاح
من الطبيعي أن يصب فريق ماي الرئاسي اليوم تركيزه على الخطاب، الذي ستدلي به في مؤتمر حزب المحافظين في برمنغهام، لكن تلك اللحظة لا تزال رهن مستقبل ليس بقريب، ولا يمكن لتحدي توضيح خطها السياسي أن ينتظر حتى أكتوبر المقبل، أو البيان الخريفي الذي ستصرح به في وقت لاحق من العام الحالي.

