تحولت القوة الجوية في جيل واحد من العشوائية إلى الدقة، ويرجع ذلك للتقدم في التوجيه الدقيق، حيث يتم حالياً توجيه القنابل والصواريخ الأميركية، بصورة عامة، نحو أهدافها. بيد أن الخطأ البشري أو الآلي، أو الحظ السيئ، أو الحسابات العسكرية الخاطئة، لا تزال تؤدي إلى وفيات مدنية غير متوقعة. وبينما تواصل أميركا وحلفاؤها حملة القصف ضد تنظيم «داعش»، فإنها تحاول الحد من تأثير هذه العمليات على المدنيين، بينما جرائم التنظيم تؤدي إلى سقوط قتلى في صفوف المدنيين، يعود جانب ليس بالقليل منها إلى استخدام التنظيم لهم دروعاً بشرية.
خلال شهر يوليو الماضي، وصل عدد الإصابات المدنية المعلنة من جراء الصراع لأعلى مستوى منذ أغسطس 2014. وفي 19 يوليو الماضي، تم الإبلاغ عن 78 حالة وفاة، أو أكثر، بالنسبة إلى المدنيين الذين قتلوا بالقرب من مدينة منبج التي يسيطر عليها «داعش».
لقد حرصت كل من أميركا وحلفاؤها على تخفيف الضرر في صفوف المدنيين، كما أن القيادة المركزية الأميركية تحقق في حادث 19 يوليو الماضي. ولكن بينما تتقدم المعركة بشكل أعمق نحو البلدات والمدن في العراق وسوريا، حيث لا يزال «داعش» يحكم قبضته على الملايين، فإن الخطر آخذ في الازدياد.
وأخيراً، حذرت الدنمارك، وهي عضو في الائتلاف، من أن قتل المدنيين قد يكون أمراً «لا مفر منه» في تلك المرحلة الجديدة من الحرب نتيجة تصاعد جرائم «داعش». بيد أن الحلفاء، كما يبدو، ليسوا مجهزين بشكل جيد لإيجاد تقييم صحيح لإحصاء أعداد القتلى الفعليين.
تقدر منظمة «إير-وورز»، حالياً، قتل 1500 مدني على الأقل على أيدي عناصر «داعش». وقد تم نشر إحصاءات مماثلة أو أعلى من ذلك عبر مجموعات الرصد الأخرى، كـ «إحصاء الجثث في العراق»، والمرصد السوري لحقوق الإنسان. وبالمقابل، في مؤتمر صحافي بالبنتاغون خلال شهر أبريل الماضي، قال جنرال بيتر غيرستن للصحافيين: إن هنالك «مستوى عالياً من الثقة» في التحقيقات الرسمية للضحايا. ومن هنا يبزغ تساؤل مفاده: هل تغفل تقييمات الائتلاف، بالفعل، عن عدد من الوفيات في العراق وسوريا؟
قد يكون الأمر مجرد مسألة بحث؛ فقد رد مسؤول رفيع المستوى من القيادة المركزية الأميركية، التي تشرف على الرصد الميداني، وذلك عن التناقض بين التقارير عن سقوط قتلى من غير المقاتلين، وبين والتحقيقات الرسمية، قائلاً: «تتمثل سياستنا بعدم الخروج والبحث».
واستغرق الائتلاف الدولي حوالي 15 شهراً من الحرب من أجل الاعتراف بوجود قتلى مدنيين في العراق، وذلك على الرغم من احتدام المعارك، والإبلاغ عن أكثر من 130 واقعة. وفي المتوسط، فإن نحو 173 يوماً هي المدة الفاصلة بين وقوع القتلى المدنيين في العراق وسوريا ووجود أي اعتراف علني بالمسؤولية.
وثيقة
يتبدى من خلال البحث جانب من الكيفية التي يحقق بها الائتلاف الدولي في مسألة قتل المدنيين نتيجة جرائم «داعش» وطبيعة المعارك المعقدة. فقد بينت وثيقة رسمية سرية للقيادة المركزية الأميركية خلال العام الماضي تدقيق المحققين في العديد من البلاغات، بصورة فورية، تقريباً. فعلى سبيل المثال، بعد تحذير عضو في البرلمان العراقي من أنه قد جرى قتل المدنيين المشردين في غمار معارك قرب مدينة الموصل، عمد الائتلاف لمعالجة التقرير في اليوم التالي.
