أعلن الثوار السوريون في حلب، أخيراً، عن نجاحهم في كسر الحصار المفروض على المدينة، ولكن يتعين عليهم، حتى الآن، تأسيس ممر آمن للمدنيين.
وبالمقابل، نفت القوات الحكومية للرئيس بشار الأسد طردها من المدينة. ومن هنا قد تشكل معركة حلب نقطة تحول عسكرية، إلا أنها بالنسبة إلى سكان المدينة المتبقين لا تمثل سوى تكثيف لحالة البؤس، التي يبدو أن المجتمع الدولي لن يكترث بها.
ما من أحد يأتي لإنقاذ السوريين. وكما لم يتحرك الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال عام 2013، عقب الهجمات الكيماوية في الغوطة، حيث مات الأطفال مختنقين، وذلك عند اختبار «الخط الأحمر»، فإنه بالتأكيد لن يتحرك الآن بعد لقطات الفيديو المتعلقة بالهجمات الكيماوية في إدلب، أخيراً، والتي أظهرت المقاتلين وهم يلهثون محاولين التقاط أنفاسهم..
وذلك بعد ادعاءات بإطلاق غاز الكلور من قبل قوات الأسد. وأخيراً، انبثقت المزيد من التقارير التي تفيد قتل أطفال وموظفين في مجال الطب خلال تجدد الهجمات. ولقد خلص جان إيغلاند، رئيس مهمة العمل الإنساني للأمم المتحدة في سوريا، إلى أن تقاعس الغرب في مواجهة تلك الهجمات وغيرها، التي تستهدف المستشفيات والأطباء والممرضين والمدنيين، يعني «محو قرن من تقدم البشرية».
ما زالت مدينة حلب تواجه خطر المجاعة، كما يبعث الوضع الميداني على اليأس. ففي الأحياء الشرقية التي يسيطر عليها الثوار، أوضح اليونيسيف أن الأطفال يشكلون ثلث السكان العالقين، والبالغ عددهم 300 ألف شخص، إذ يعمد بعض من أولئك الأطفال لحرق الإطارات لإيجاد «منطقة مؤقتة لحظر الطيران» بحيث لا يتمكن المهاجمون من إسقاط شحناتهم المتفجرة، بشكل دقيق.
فضلاً عن أن الخطة التي تدعمها روسيا لفتح «ممرات إنسانية» لم تنجح إلا في إخافة الناس الذين نظروا إلى هذه البادرة على أنها خطوة للتطهير العرقي، أي حيلة «لا تتمثل في توصيل المساعدات إلى الداخل، ولكن لدفع الناس للخروج من البلاد».
ومن جهة أخرى، فإن المرافق الطبية في حالة يرثى لها. إذ لم يبق هناك سوى 34 طبيباً. وقال أطباء من منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن القوات الحكومية قد شنت، أخيراً، غارات جوية مميتة ضد 6 مستشفيات داخل حلب وحولها، والتي تعتبر الأسوأ في المنطقة منذ بداية الحرب الأهلية في عام 2011.
وفي الوقت ذاته، وبحسب منظمة اليونيسيف، يحتمي 25 ألف نازح من القتال العنيف، في المناطق الغربية التي تسيطر عليها الحكومة، وذلك في المساجد والمباني الجامعية والحدائق العامة، ناهيك عن أنه قد تم قطع طرق الإمدادات الغذائية من الريف.
ويقول فريد هوف، وهو سفير سابق للمرحلة الانتقالية في سوريا، إنه قد يتم اختزال «إنقاذ حلب» في هذه المرحلة لمجرد محاولة تخفيف الكارثة الإنسانية إلى الحد الأدنى. وكما أوضح فإن «القوميين، والثوار غير المتشددين أقل تسليحاً»، كما أنهم ليسوا محظوظين كبشار الأسد بالنسبة إلى نوعية مؤيديهم في الخارج. وبشكل جلي، على سبيل المثال، يحتاج الثوار لأسلحة دفاع جوي لمواجهة هجمات كل من روسيا ونظام بشار الأسد، تلك التي من شأنها إحداث أكبر قدر من الخسائر بين المدنيين.
يشير هوف إلى احتمال إصدار قرار آخر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطالب بوصول قوافل الإغاثة الإنسانية للأمم المتحدة إلى حلب.
وبالنظر إلى ما حدث في مذبحة سربرنيتشا خلال حرب البوسنة، بسبب التقاعس العالمي، يبدو من غير المعقول أن تقف الدول الغربية مكتوفة الأيدي وتسمح بأن يجري تدمير حلب.
فما الذي حدث لمسؤولية الحماية والالتزام السياسي العالمي الذي أقرته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2005 لمنع الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية؟ يقول الدكتور حاتم، وهو طبيب بارز في مستشفى الأطفال في حلب، إنه: «يقع على عاتق كل بلد مسؤولية وقف عمليات القصف بالقنابل، ومنع الإبادة الجماعية».
يواصل مبعوث الأمم المتحدة بشأن سوريا ستيفان دي ميستورا في جنيف محاولة استئناف المحادثات بين الأطراف بحلول نهاية شهر أغسطس الجاري، ولكن ليس بوسعه القيام بذلك، حتى الآن. لقد أخفقت الدبلوماسية، كما يبدو أن دي ميستورا وقع رهينة لمطالب روسيا.
انطلاق
يمكن أن تتمثل نقطة الانطلاق بوقف السماح لروسيا بإملاء جدول الأعمال. فقد كان عدم وجود رد فعل أميركي أكثر قوة كارثياً، حينما سمح لروسيا بأخذ زمام المبادرة في سوريا. ويفضل فريد هوف، وهو سفير سابق للمرحلة الانتقالية في سوريا، إرسال قدر أكبر من المساعدات العسكرية.
و قال جان بيير فيليو، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية باريس للشؤون الدولية، إن حمام الدم في حلب نتيجة لتأييد أميركا الضمني لأهداف الحرب الروسية، وهو ما يعني تصفية أي طريق ثالث بين نظام بشار الأسد والجماعات المتشددة، تحت ذريعة محاربة تلك الجماعات.
