يستعدّ الجيش السوري والميليشيات الحليفة له لشن هجوم مضاد يقطع الطريق الذي أصبح يصل، أخيراً، بين شرق حلب ومناطق سيطرة المعارضة. وقصفت الطائرات السورية والروسية هذه الناحية من حلب التي يمر من خلالها أيضاً طريق الإمداد الرئيسي الواصل إلى غرب المدينة الخاضع لنفوذ الحكومة.
وكشفت المعــــركة الأخيرة نقاط قوة أطراف الصـــــراع ومكامن ضعفها بصورة واضحة. فأعلن بدايةً عن انتصار حققته قوات الرئيس السوري بشار الأسد التي قطعت خـــــط إمدادات خصومها إلى شرق حـــلب في أواخر يوليو الماضي.
إلا أنه، بعد بضعة أيام فقط، حققت قوى المـــعارضة انتصاراً موازياً في جزء آخر من المــــدينة، بما يظهر طبيعة قوة الطرفين. وخفت وهج الإعلان عن تحقيق انتصارات في المعارك المحلية، نظراً لعجز الطرفين عن الحفاظ على زخم التقدم المحرز.
لاسيما أن كل جهة لديـــها عدد محدود من جنود القتال الحقيقيين، بما يجعل خسارة العديد منهم على أرض المعركة أمراً غير وارد. ويزعم أن مقاتلي المعارضة قد خسروا 500 عنــصر في المعارك الأخيرة.
عوامل المأزق السوري
وتبرز من ضمن العوامل الأخرى المساهمة في تعقيد المأزق السوري، تركيز أعمال القتال في العراق وسوريا على نحو شامل من قبل قادة حرب لا يخدم مصالحهم تحسن أحوال المدنيين أو نجاتهم. إلا أن انعدام المبالاة، على الرغم من واقعيته المعتادة، فقد يكون مخادعاً لجهة تعزيز الاعتقاد بعدم وجود مؤمنين بالقضية في الطرفين مستعدين للقتال حتى النهاية.
كل معركة تحصل في سوريا تتخذ طابعاً متمايزاً سياسياً وطائفياً وإثنياً واجتماعياً، بما يثبت عدم مصداقية التعميمات المتعلقة بمسار الصراع. وقد أشار فابريس بالانش من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى الموضوع بالقول: «في حلب، لا يقوم الانقسام الأساسي بين المعارضين والفصائل المؤيدة للحكومة على أساس الطائفية، بل يرتكز أساساً على تباين الطبقات الاجتماعية، والتصدع الريفي الحضري التاريخي».
ولن تضع الفصائل المحلية حداً للصراع في سوريا إلا عبر انتصار على أرض المعركة يبدو الآن بعيد التحقق. إلا أن الصراع بات من التدويل الناجم عن بدء أميركا حملة جوية على «داعش» في 2014، وحذو روسيا حذوها، لكن دفاعاً عن نظام الأسد بعد عام. ويؤدي ذلك إلى التساؤل عما إذا كانت البيئة الجيوسياسية تتحول ضد المقاتلين بفعل التقارب الروسي التركي؟
موقف تركيا
لطالما كان دعم تركيا وتغاضيها محورياً لقضية مقاتلي المعارضة. وقد أطلق اللقاء الذي جمع في 9 أغسطس الماضي، بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين العنان للتوقعات، القائلة بإمكانية لجوء تركيا إلى تبديل مواقفها حيال سوريا.
لا يعتبر الأمر وارداً كثيراً، لاسيما أن سياسة تركيا في سوريا اتسمت بالتعقيد منذ العام 2011، وقد فشلت في استبدال الأسد وإنشاء نظام سني بديل، وعملت بدلاً من ذلك من غير قصد، على الإفساح في المجال لبناء دولة الأمر الواقع لأكراد سوريا خاضعة لحكم الفرع المحلي لحزب العمال الكردستاني الذي تخوض ضده أنقره حرب عصابات منذ العام 1984. والأسوأ من ذلك أن أكراد سوريا يعتبرون الحليف العسكري الأول الأساسي لأميركا في سوريا.
من المرجح أن تنهمك تركيا في مشكلاتها الداخلية وتداعيات محاولات الانقلاب الفاشلة التي هزت البلاد في 15 يوليو الماضي. إلا أن تبديل موقعها على الساحة السورية، على الرغم من أنه ممكن سياسياً، إلا أنه لا يعني بالضرورة إكساب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نقاط قوة. وقد يتبين على عكس ذلك أن قدرة تركيا ومدى استعدادها لمساعدة المقاتلين المناوئين للأسد ستكون محدودةً أكثر في المستقبل.
وسيأمل مقاتلو المعارضة ألا يحصل ذلك، وسينتظرون ما إذا كان وصول المرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض سينقذ مصيرهم. فكلينتون التي تشعر بالعداء للأسد قد تتراجع عن إعطاء الأولوية للقضاء على تنظيم «داعش»، وستعمد على الأرجح إلى الالتزام بسياسات سلفها.

