تشهد الأشهر القليلة المقبلة دخول قوات عراقية مشتركة عربية كردية، قد تضم بعض عناصر السنة والشيعة، إلى الموصل بهدف تطهيرها من قوات «داعش»، ومن ثم العمل على فرض الحوكمة والاستقرار وإعادة الإعمار لواحدة من أكثر مدن العراق ومحافظاته تعقيداً.

وليس هناك من شك في هزيمة التنظيم في الموصل، إلا أن التساؤل الحقيقي يكمن في الخطوة التي ستعقب التحرك. فهل ستتمكن المساعي في مرحلة ما بعد «داعش» من التخفيف من حدة المشاحنات التي يمكن أن تظهر حول عدد من المسائل، وإحلـــال الاستقرار الدائم في واحدة من محافظات العراق الأكثر تنوعاً وإشكالية، حيــث قد يؤدي الفشل في هذا الإطار إلى تقــــوية شوكة «داعش».

ويتمثل التحدي الأبرز في كل من الموصل ونينوى بوجود عدد هائل من الإثنيات والطوائف الدينية والقبائل والعناصر الأخرى المكونة للمحافظة.

إشكالية

إلا أنه من الواضح أن القوات الأميركية تفتقر اليوم للسلطة والأهلية والأعداد الكافية من الجنود في العراق التي كانت لها عام 2003. كما أنها لا تمتلك التفويض الذي كانت تتمتع به فيما مضى.

إلا أن عناصر التمكين التي قام التحالف بقيادة الولايات المتحدة بتأمينها للجنود العراقيين على مدى العام الماضي، من معلومات استخبارية ومعدات تجسس واستطلاع ومستشارين وعناصر لوجستية وإحداثيات دقيقة تحديداً، انعكست نجاحات استمتع العراقيون بنتائجها في كل من الرمادي والفلوجة وتكريت وبيجي والقيارة وغيرها من المواقع.

لا شك في أن تجهيزات التحالف واستعداداته ستلحق الكثير من الضرر في الأسابيع القليلة المقبلة بما تبقى من عناصر التنظيم في الموصل، بحيث أن ضراوة المعركة ستكون أقل حدة مما يخشى كثيرون.

إلا أن الإشكالية الأبرز في الموصل لا تكمن في هزيمة «داعش»، بقدر ما هي عليه المهمة التي كانت بانتظارنا عام 2003، والمتمثلة بالحفاظ على الأمن في مرحلة ما بعد الصراع، وإعادة البناء وفوق كل شيء الحوكمة التي تضمن تمثيل جميع القوى وتستجيب لمطالبها.

ولا بدّ لكل ذلك من أن يحظى بمتابعة حثيثة من قبل العراقيين على مختلف ولاءاتهم، وبمعزل عن نوع القوى والمصادر والسلطات التي كانت من قبل.

تطمينات

وفيما يخص وضع الموصل، سيكون العرب السنة في نينوى تحديداً بحاجة لتطمينات هائلة، حيال الحفاظ على مصالحهم بشكل كافٍ في كل من الموصل الجديدة ومحافظة نينوى. إلا أن هذا المبدأ لن ينطبق على السنة وحسب فالحصول على تطمينات سيكون مطلب المواطنين الأكراد والشيعة العرب والتركمان الشيعة والسنة، والأيزيديين، والمسيحيين والقبائل المختلفة.

وتعدّ الوسيلة الأمثل لتنفيذ مخطط التمثيل الجماعي في إنشاء مجلس محافظة على غرار ذلك الذي تم تأسيسه عام 2003، وباتباع نهج شامل مماثل. ومن الأهمية بمكان ألا تلعب ميليشيات الشيعة أي دور حوكمي أو أمني في نظام ما بعد «داعش».

ويعود السبب في ذلك إلى أن نينوى والمحافظات السنية العربية الأخرى لا تزال تفتقر لموارد الطاقة المهمة والنفوذ الضروري، في حين أن الاستقلال الدستوري على النهج الكردي ليس بالخيار المطروح.

ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على استعداد للقيام بالتزامات أكثر وضوحاً، تتعلق بمستوى الحصول على الموارد، والعمل على منح المنطقة حيزاً أكبر من الاستقلالية في تحديد أولويات الإنفاق.

وتعتبر المهمة التي تنتظر العبادي غاية في التعقيد، إلا أن السبب الوحيد للمضي قدماً يتمثل في مواجهة التحديات بجرأة، والعمل على تمتين العلاقات والضغط على مختلف الفرقاء لإيجاد أرضية مشتركة لحل المشكلات بمساعدة التحالف بقيادة أميركا.

ستكون عملية حلّ المشكلات في مرحلة ما بعد «داعش» صعبة ومحفوفة بالتوتر، إلا أن الولايات المتحدة بعد أن تمكنت من المساعدة على هزيمة «داعش»، وتأمين الكمّ الأكبر من المستلزمات لضمان المزيد من النجاحات ومبادرات إعادة البناء، ستحظى هي وشركاؤها في التحالف بالنفوذ المقبول للمساهمة في حلّ التعقيدات. ولن يكون عليها إلا مضاعفة ممارسة ذلك النفوذ.