شكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في غمار تراجع الغرب عن العولمة، التعبير الأحدث والأكثر إثارة للذهول عن الاتجاه الشعبوي، وبالتالي يجري توقع ظهور قوة جديدة لسد تلك الهوة.

لقد كانت الصين تستعد لهذه اللحظة منذ سنوات. ففي اقتصاد عالمي متعطش للنمو والاستثمار، لدى بكين كل من قوة الدفع والجيوب العميقة.

لقد اعترت الحماسة قادة الصين من خلال نوعية الطموح الوطني الذي اعترى الولايات المتحدة عند إعادة تشكيلها أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب، وذلك عبر «مشروع مارشال».

لقد أزاح الزعيم الصيني شي جينبينغ جانباً عقوداً من السياسة الخارجية المتسمة بعدم الثقة بالنفس، ليتوصل إلى شعار ناشط جديد، ألا وهو «النضال من أجل الإنجاز».

واليوم، مع انكفاء الغرب على نفسه، والذي يرجع في جانب منه لما يراه الكثيرون هجرة خارجة عن السيطرة، والتي تتوج تهديداً إرهابياً، فإن السؤال لا يكمن في ما إذا كانت العولمة قد استنفدت مسارها، وإنما إلى أين ترغب الصين في المضي بها.

لقد تساءل جان بيير كابيستان وهو متابع دولي لشؤون الصين من جامعة هونغ كونغ المعمدانية في مقال نشر بصحيفة «تشاينا بيرسبيكتيفز» قائلاً: «ما هي نوعية العالم الذي تريده الصين؟».

في حال لم يمسك الغرب بزمام المبادرة، فإن الصين ستفعل ذلك. فقد كانت في وقت من الأوقات عنواناً للعولمة. وفي أواخر سبعينات القرن الماضي، عمد قادة الصين، وفي التوقيت المناسب، لفتح اقتصاد البلاد فيما كانت أحدث موجة قوية من العولمة تستجمع قوتها.

لقد أثبتت التدفقات الأكثر حرية لرؤوس الأموال والبضائع والتقنيات أنها مسار تحولي. لينجو مئات ملايين الصينيين من الفقر.

يعكس رد الفعل العكسي ضد العولمة في كل من أميركا وأوروبا تحدياً خطيراً للاقتصاد الصيني، غير أنه لن يكون مدمراً. فقد جاء توقيت الصين متبصراً وفطناً، مجدداً. فمنذ الأزمة المالية عام 2008، عند انهيار التجارة العالمية، توقفت الصين عن اللجوء للصادرات، ليمثل الاستهلاك المحلي الدافع الأساسي للنمو في البلاد.

ما إن تتجاوز الصين موجات الصدمة المالية لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإنها ستحظى بأوروبا أشد تطلعاً للبحث عن الأموال الصينية، وذلك أكثر من أي وقت مضى. إذ تميل الدول الأعضاء في الاتحاد للعمل بشكل أقل معاً، وذلك لمواجهة تدابير التجارة الصينية التي تجدها غير عادلة، وأكثر تشتيتاً للأذهان لصدها، في حين لا تأبه الصين بالقوانين العالمية وتتحداها.

تعتقد تيريزا فالون، وهي باحثة بارزة في «المعهد الأوروبي للدراسات الآسيوية» أن الاختبار الأول بزغ مع قيام محكمة التحكيم الدائمة بإصدار حكم ضد الصين بسبب مطالباتها البحرية في بحر الصين الجنوبي. فهل سيعمد الاتحاد الأوروبي لدعم أميركا وحلفائها الآسيويين، بصورة علنية، في هذه المسألة الحيوية لتطبيق القانون الدولي؟ أم أنه سيتردد في ذلك تجنباً لإهانة الصين؟

أعربت تيريزا فالون عن اعتقادها أن الصين تتلاعب، غالباً، بدولة في الاتحاد الأوروبي مقابل الدول الأخرى، وذلك للتأثير في سياسة الاتحاد.

يخوض الاتحاد الأوروبي، على المدى الطويل، فترة تراجع، بينما ترتقي الصين. وفي حين تقلل أوروبا فرص العمل، تعمل الصين على زيادتها، وذلك بوتيرة أسرع، حيث إنها تركز حالياً على الخدمات التي تتطلب عمالة مكثفة.

أولوية جديدة

بينما يتم استهلاك أوروبا من خلال جداول أعمالها الداخلية، يعتبر درء خطر الانقسام السياسي الأولوية الجديدة لأوروبا، في حين يفكر قادة الصين بصورة عالمية، لتنفيذ خطة استراتيجية. لقد كرس الزعيم الصيني شي جينبينغ طاقات بلاده محاولاً إيجاد محاور جديدة للازدهار، جنباً إلى جنب مع طرق التجارة القديمة بين الصين وأوروبا.