هناك سببان يدعوان رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة تيريزا ماي لتوجيه الشكر لمارغريت تاتشر. الأول هو أن الهرج والمرج الذي يحيط بوصول رئيسة للوزراء أنثى قد أصبح أقل جلبة. والثاني هو تبديد مجموعة من الأفكار المسبقة تماما حول الطريقة التي يمكن لامرأة أن تغير السياسة الخارجية، بأنها ستقوم بذلك بشكل ألطف وأنعم وأقل جرأة وأكثر مواربة، وبنفور تجاه النزاع المسلح.
ستكون الأمور أسهل بكثير عليها من معظم سابقيها، وذلك من ناحية مهمة. فقد انتهت الازدواجية الوطنية تجاه الاتحاد الأوروبي، التي قيدت السياسة الخارجية لبريطانيا من جميع النواحي تقريبا.
ويلزم التفويض لماي، التي كان موقفها مؤيدا للبقاء بشكل خجول، باحترام نتائج الاستفتاء، وهي كانت قد عرضت موقفها بصراحة قائلة: "خروج بريطانيا يعني خروجها، ونحن على طريق تحقيق النجاح في ذلك. ولن تكون هناك محاولات للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، ولا محاولات للانضمام مجددا عبر باب خلفي، ولا استفتاء ثان". نحن ـ مؤيدي البقاء ـ قد لا يعجبنا الأمر، لكن لا يمكننا القول إنها لم تكن واضحة في موقفها.
وقد يكون قادة الاتحاد الأوروبي ممتنين لهذا الوضوح أيضا، على الرغم من أنهم كانوا ربما يفضلون أن تستحضر الحكومة الجديدة المادة 50 على الفور، فقط من أجل التشديد في بلادهم على أنه لا توجد نقطة رجوع. ويحتاج الاتحاد الأوروبي الآن إلى التفكير بالمملكة المتحدة في إطار بنود ما بعد خروجها، وكذلك المملكة المتحدة.
وإحدى الطرق للقيام بذلك أن تعهد ماي بمفاوضات الاتحاد الأوروبي ليس إلى وزير الخارجية الجديد أو بالضرورة إلى وزارته، لكن إلى مؤيد للخروج بمرتبة وزير. ليس إلى شخص من الطراز القديم مثل ليام فوكس أو ديفيد ديفيز، بل إلى تكنوقراطي مندفع مثل دانيال هنان الذي يعرف ملخصات التجارة والهجرة بكل تفاصيلها.
وبعد أن غادرت وزارة الداخلية لتوها، قد ترغب ماي في إبقاء يدها في المحادثات بشأن المسائل القانونية، وتقاسم المعلومات الاستخبارية، ومذكرات الاعتقال الأوروبية، وما شابه ذلك، وقد ترغب أيضا في إبقاء عين ساهرة على ملف "حرية التنقل".
وبعد أن حسم السؤال الكبير بشأن الاتحاد الأوروبي، على الأقل مبدئيا، قد تقرر بشكل معقول أن تدور حول الكرة الأرضية، وأن تطلع على الخيارات. ويحتمل أن تكون لديها حرية أكبر في تشكيل السياسة الخارجية لبريطانيا أكثر من أي رئيس وزراء في الفترة الأخيرة. يمكنها بالتأكيد النظر في العلاقات الوثيقة التي ما زالت لبريطانيا، في السراء (مع الولايات المتحدة وقارة أستراليا ومجلس دول الكومنولث الجديد) وفي الضراء (مع إرث الحروب الأخيرة في أفغانستان والعراق وليبيا). ويمكنها أيضا أن تلقي نظرة جديدة على خلافات قديمة لم تحل (الأرجنتين وجبل طارق)، ومصادر جديدة لتوترات مختلفة (الملاذات الضريبية الخارجية). هناك فرصة الآن، بعد أن حسمت قضية الاتحاد الأوروبي، إن لم يكن للتمدد، فللإجراء تقييم شامل والقيام بترتيب بعض الأمور.
وهذا لا يعني أن أوروبا سوف يجري إهمالها، بل يمكن النظر إليها بطريقة مختلفة، كالمنطقة الجيوسياسية التي تقع فيها بريطانيا، بدلاً من الترتيب المؤسسي التي بريطانيا ملزمة بها. وهذا قد يعني تنسيقاً وثيقاً مع أولئك على أطراف الاتحاد الأوروبي، الشماليين على وجه الخصوص، سواء داخل أو خارج الاتحاد، والمزيد من الاهتمام للدفاع من خلال حلف شمالي الأطلسي "ناتو".
صعوبة
تكمن الصعوبة بالنسبة لماي في أن الاستفتاء أوضح الأوضاع على جبهة الاتحاد الأوروبي، لكنه ترك شكوكا كثيرة. هل عكس التصويت بمغادرة الاتحاد الأوروبي رغبة في الركوب والانطلاق نحو العالم أو في رفع الجسور والانقطاع عنه؟ وطنية أو عالمية في الروحية، هذا سيكون السؤال المطروح بالنسبة لماي.
