ليس من المستغرب، في بلاد تعج بالأسلحة الاتوماتيكية، وتطغى عليها الميليشيات المتصارعة، وتفتقر إلى حكومة مركزية فعالة، أن نفهم لماذا وجدت جماعات إرهابية دولية مثل تنظيم «داعش» أرضاً خصبة للتوسع.

في أعقاب الفوضى التي تلت الحرب الأهلية التي أطاحت بنظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي منذ خمس سنوات تقريباً، تشهد هذه البلاد الواقعة في شمال أفريقيا، والمطلة على البحر الأبيض المتوسط، فراغاً هائلاً في السلطة، بالإضافة إلى طريق مفتوح لتدفق اللاجئين إلى جنوب أوروبا.

وقد وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على حملة ضد تهريب الأسلحة، حيث هناك ثلاثة مدافع لكل مواطن في تلك البلاد التي ينعدم فيها القانون. واستناداً إلى رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، مارت كوبلر، فإن «الأسلحة تغذي الصراع، وينبغي وقف هذه الشحنات إذا كان هناك من أمل جدي لإحلال السلام في ليبيا».

وفيما أكد قرار الأمم المتحدة مجدداً التزامه القوي بـ«سيادة واستقلال وسلامة أراضي ووحدة ليبيا الوطنية»، كرر الإعراب «عن بالغ قلقه إزاء التهديد المتزايد للجماعات الإرهابية في ليبيا الذين يعلنون ولاءهم لتنظيم داعش» وكذلك للمجموعات الأخرى بفروع لتنظيم القاعدة. وحذر القرار أيضاً من تدفق المقاتلين الأجانب إلى الصراع.

وقد أبقى تهريب الأسلحة غير المشروع عن طريق البحر، في انتهاك لحظر الأسلحة السابق، الوضع السياسي في حالة من الغليان، وساعد في إمدادات «داعش» بها.

مصير ليبيا يطرح وسط تقييم مزر من قبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان يفيد بأن قدرات «داعش» العالمية لم تتراجع.

وعلى هذا الأساس، أذن مجلس الأمن الدولي بحملة بحرية لقوة من الاتحاد الأوروبي لإيقاف وتفتيش السفن ومصادرة الأسلحة في أعالي البحار قبالة الساحل الليبي.

وسيجري تعزيز «عملية صوفيا» الجارية للاتحاد الأوروبي. وكانت منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني في بروكسل قد قالت: «عملية صوفيا للاتحاد الأوروبي التي انطلقت قبل سنة لمحاربة شبكات المتاجرين والمهربين، كانت في طليعة رد أوروبا على أزمة اللاجئين والمهاجرين في البحر الأبيض المتوسط»، مضيفة: «إن قرار الأمم المتحدة الجديد سوف يمكن«عملية صوفيا»من لعب دور هام في تطبيق حظر الأسلحة».

وما وراء شحنات الأسلحة غير المشروعة، هناك شبكات تهريب البشر التي تعمل انطلاقاً من الساحل. وكما قال السفير البريطاني ماثيو رايكروفت:«تواجه ليبيا تهديدين متلازمين. كما يواصل «داعش» استغلال الأراضي الليبية، تواصل عصابات إجرامية استغلالها لخوف الناس الساعين لمستقبل أكثر أمناً. وتشكل مياه البحر الأبيض المتوسط مرادفاً للمعاناة الآن».

ووفقاً لوكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن أكثر من ألفي شخص لقوا مصرعهم غرقاً في رحلة العبور إلى إيطاليا هذا العام لوحده، فيما نجا 49 ألفاً، ومعظم المهاجرين يأتون من السنغال وغامبيا وأريتريا.

وتشبه ليبيا غطاء سياسياً حيث تتقاطع النزعات القبيلة والأصولية مع عناصر بنزعة حديثة مخصبة بالنفط في مزيج شيطاني من الفوضى.

وهناك ثلاث قضايا جوهرية مطروحة:

أولاً: العمل على استقرار حكومة الوفاق الوطني المدعومة دولياً، والمترنحة محلياً، أولا في العاصمة طرابلس، ومن ثم خارجها. وهذا الأمر يمثل عقبة سياسية كبيرة بالنظر إلى أن الميليشيات المتنافسة تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد. وقد تكون هذه المشكلة أكثر تعقيداً من إزالة شبكات«داعش» الناشئة.

ثانياً، يجب أن يوقف الاتحاد الأوروبي تدفق الأسلحة التي تغذي الصراع. لكن هذا أسهل قوله من فعله. فليبيا هي أرض ينعدم فيها القانون وتعج بالأسلحة.

ثالثاً، القضاء على شبكات مهربي البشر الإجرامية التي ترسل المهاجرين التعساء من غرب ووسط إفريقيا في قوارب غير آمنة باتجاه المياه الإقليمية الإيطالية بهدف الوصول إلى أوروبا. العام الماضي، فإن أكثر من مليون مهاجر، معظمهم من سوريا وأفغانستان، تدفقوا إلى أوروبا وألمانيا والسويد كوجهتهم الرئيسية.

وتبقى ليبيا دولة متصدعة بشكل خطير ودولة هشة. ويفضي عدم الاستقرار الناجم عن تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وعن اتساع تمدد الإرهاب، إلى تداعيات فتاكة محلياً وإقليمياً.

قرار

خلال انتفاضات ما يسمى الربيع العربي، نظمت أعداد من جماعات المعارضة الليبية انتفاضة عنيفة ضد نظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي. وبموجب الخطة الأصلية الرامية إلى حماية المدنيين الذين في خطر في مدينة بنغازي، فإن الغربيين دعموا قراراً في مجلس الأمن الدولي أعطى الضوء الأخضر لتغيير النظام في ليبيا.

قرار الإطاحة بالطاغية القذافي، فيما كان جديراً بالثناء وطال انتظاره، فتح صندوق باندورا على حالة من الفوضى العارمة .

ويشكل الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي جزءا من السجل الذي لايزال يظلل إرث المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون.