أين هم الجبابرة الآن؟ لقد طرحت هذا السؤال كثيراً، بيد أنني أدرك أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، أراد أن يكون منهم، جنباً إلى جنب مع ونستون تشرشل، وفرانكلين روزفلت، وجوزيف تيتو، كما أجرؤ على اقتراح أمثال جوزيف ستالين، وهم الرجال الذين حركوا الأرض. ربما لذلك السبب فإن إنجاز لجنة تشيلكوت لم يكن إثبات أن بلير كان مجرم حرب، بل إثبات أنه كان قزماً.
فبمجرد الرجوع للجملة الصارخة المقتبسة التي وجهها بلير لجورج بوش الابن، قبيل الحرب على العراق في 28 يوليو 2002، حين قال: «سأكون معكم، مهما يكن الأمر»، ندرك بالتأكيد، الأهمية السياسية لذلك الهراء. فقد كان بلير يحاول أن يبدو كأحد الجبابرة. ولكن ثبت من الناحية القانونية أنه كان يقصد: سأكون معك، مهما كان رأي الشعب البريطاني.
ولكن المسألة لها جذور أعمق من ذلك. إذ لدي حدس بأن ذلك كان عبارة عن نسخة توني بلير الخاصة بالعبارات الأقوى، بلا حدود، من هاري هوبكنز، وهو الممثل الشخصي للرئيس روزفلت في بريطانيا خلال زمن الحرب، الذي كان منهكاً، ولكن طُلب منه الحديث أمام جمهور في غلاسكو، ليطأطئ برأسه ناظرا إلى تشرشل، محاولاً التعبير عن حبه لموقف الرجل العظيم ضد هتلر و دعم روزفلت لبريطانيا إبان وقوفها وحدها ضد ألمانيا النازية.
ويجدر بنا التذكر بأن ذلك لم يكن متحدثاً رسمياً باسم الرئيس الأميركي، يخبر رئيس الوزراء البريطاني أن بمقدوره الاعتماد على أميركا. لقد اغتنم توني بلير الضئيل الفرصة لتحويل نفسه إلى روزفلت، وبوش إلى تشرشل.
لكنني سئمت بالفعل من «دروس» تقرير تشيلكوت. يجب علينا التعلم من أخطائنا، وأن لا نكررها مجدداً، فقد كرر ديفيد كاميرون الأفعال غير المصقولة نفسها، على الرغم من أنه قد يطبقها في حيله المتعلقة بمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي. يجب علينا حقا، أن نقوم بالأمر على نحو صحيح قبل تخبطنا في مزيد من الحروب تكبدنا مئات الأرواح البريطانية، وملايين الدولارات، وعشرات آلاف الشباب الآخرين ممن لم يذكرهم تقرير تشيلكوت كبشر.
تلك هي المشكلة الحقيقية فيما أخشى فيما يتعلق بضرب بلير بالسوط. نعم، من المؤكد أنه كان شخصاً بغيضاً، بكذبه على البريطانيين، ومن ثم أقاويله الكاذبة لهم مجدداً بعد نشر تقرير تشيلكوت، وبعدها الهراء بشأن «الأمر الصحيح الذي ينبغي القيام به»، في حين كنا ندرك جميعا أنها أمور تسبب أذى شديداً لأعداد كبيرة من الناس الأبرياء، وحتى تلحق الضرر بعدد أوسع نطاقاً من المسلمين والمسيحيين واليزيديين حتى يومنا هذا، وهو ما كان بمثابة أمر سيء للغاية للقيام به. وبالنسبة إلى أولئك الضحايا المجهولين ممن ليست لهم علاقة تقريباً بتقرير تشيلكوت، لا نستطيع القول «حتى النهاية»، لأنهم يموتون حتى يومنا هذا. «النهاية» الحقيقية لأولئك الضحايا لم تأتِ بعد.
هنالك تضليل أساسي حول انعكاسات تقرير تشيلكوت بشأن عدم أمانة توني بلير. إذ لم يكن الدليل على وجود أسلحة الدمار الشامل قوياً بما فيه الكفاية، ولكنه، وفقاً لتوني بلير، كان لا يزال يستحق التخلص من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. ولكن، ومن غير ريب، في حال كان بلير صادقاً حقاً بشأن مخاطر أسلحة الدمار الشامل، فقد كان سيتوجه هو وجورج بوش الابن لغزو دولة تحوز وتتفاخر بأسلحة الدمار الشامل، ألا وهي كوريا الشمالية.
توجد حالياً دكتاتورية مجنونة، تذبح شعبها، وتهدد العالم، إلا أنه لم يقترح أي أحد ذلك ولو لمرة واحدة، فما بالك بأن يقدم توني بلير على غزو كوريا الشمالية. ونحن نعلم السبب وراء ذلك، وهو أن كوريا الشمالية لديها، بالفعل، أسلحة دمار شامل. لن يجرؤ كل من توني بلير وجورج بوش الابن، إطلاقاً، على دراسة مسألة إجراء مجازفة عسكرية ضد زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.
أسلحة
تحدث الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالحقيقة، وأنه لم يكن بحوزة بلاده أسلحة دمار شامل، وبالتالي تم الحكم عليه وعلى العراقيين بالموت الجماعي.
حالياً، يبكي البريطانيون ضحايا الجيش البريطاني، ولكن نادراً ما نسمع عن معاناة عربية واحدة في أعقاب تقرير تشيلكوت. إذ لم يسمح للعراقيين بالإدلاء بشهادتهم. ولم يكن لدى موتى العراق من المسلمين والمسيحيين أحد يدافع عن أرواحهم. لقد كان تقرير تشيلكوت، في الواقع، تقريرا قزما عن رجل قزم. لهذا السبب، في حال تمت الاستعانة ببشر حقيقيين يدعون العراقيين، كان يمكن أن تستحق أدلتهم حقاً محاكمات على غرار نورمبرغ.
