عقد حلف شمال الأطلسي "ناتو"، أخيراً في وارسو، اجتماعاً يمهد لعهد جديد، يشكل فيه أمن أوروبا الجماعي، والدفاع عن الأرض، مجدداً، المهمة الأساسية للحلف، وبموارد جديدة لتحقيق ذلك. ويأتي ذلك كتحول هام، لذلك سيكون من المهم أن يتم تقييم كل من الأخطار والتهديدات، فضلاً عن السياسات والوسائل المطروحة لمواجهتها، بدقة، لا سيما خلال الأوقات العصيبة.
أوجد حزم روسيا الجديد، والاعتداءات الإرهابية في أوروبا، وغيرها من التحديات، كالهجرة والأمن الإلكتروني، شعوراً بالتعجل. وأضاف تحديد مكان القمة، لأول مرة، في عاصمة إحدى دول وسط أوروبا، والتي كانت يوما تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي، إلى جانب عقدها بعد أسبوعين من تصويت بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي، أضاف إلى الرمزية عرضاً للوحدة الغربية حول آفاق أوروبا التي أصبحت أكثر ضرورة.
لقد ذهب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لإعادة التأكيد لزملائه في حلف شمال الأطلسي بأن المملكة المتحدة ستظل معنية بأمن الحلفاء.
وبالرجوع إلى نحو 10 أو 15 سنة مضت، فإن التغيرات التي تكشفت تعد كبيرة. ففي فترة ما بعد الحرب الباردة وما بعد فترة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تجذرت فكرة أنه في حال لم يتحرك ناتو «انطلاقا من منطقة»، فإنه «سيتوقف قريباً عن العمل».
وتأتي بشكل جزئي، مشاركة الحلف طويلة الأمد، والصعبة، في أفغانستان انطلاقاً من ذلك. فقد تطلبت مواجهة المتشددين المتطرفين في سلسلة جبال هندوكوش بذل الكثير من الطاقة، لتحقق نتائج غير مؤكدة (وفي مرحلة ما، وصلت أعداد قوات حلف شمال الأطلسي إلى 140 ألف جندي في أفغانستان). وفي الوقت الراهن، مع تصرف روسيا كمصدر رئيسي للقلق، ناهيك عن الآثار غير المباشرة لحروب الشرق الأوسط التي تهدد بزعزعة استقرار أوروبا، يعود التحالف إلى قواعده.
ولا يمكن أن يكون ذلك سوى تصرف منطقي، ولكن من الأهمية بمكان أن يتم إيجاد التوازن الصحيح. فكما قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في بداية القمة، يجب أن يتم المضي في كل من الردع والحوار جنباً إلى جنب.
هذه ليست حرباً باردة ثانية، لأن التاريخ لا يعيد نفسه تماماً بالطريقة ذاتها. لقد أسهم انتهاك روسيا المفاجئ لأوكرانيا، في عام 2014، في خرق بعض المبادئ الأساسية لبنية الأمن في أوروبا، عن طريق تغيير الحدود من جانب واحد من خلال استخدام القوة، مما عمل على إيجاد تعديل كبير في المشهد الاستراتيجي.
كما أن هنالك حاجة لتبديد الشكوك المستمرة بشأن قوة التزامات أميركا بالنسبة إلى دفاع أوروبا، وذلك في وقت كان هناك الكثير من الحديث عن «إعادة التوازن» الأميركي بالنسبة إلى آسيا.
اتخذ قادة حلف شمال الأطلسي قرارات هامة تهدف لتعزيز الدفاع عن الدول الأعضاء الشرقية في الحلف، وباستخدام وسائل جديدة للقيام بذلك. لتأتي ردود الفعل الأولية من موسكو معادية، ولكن مع بعض التحفظ، إذ كانت هناك دعوات روسية جديدة لاستئناف الحوار مع الغرب.
ويشير البعض إلى الضعف الاقتصادي، ويرجع ذلك جزئيا لانخفاض أسعار النفط، بينما يشير البعض الآخر إلى ضرورة دخول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مواجهة مع الغرب، لتعزيز روايته السياسية الداخلية.
ثقة
مهما اعتقد البعض عن سجل الناتو، فمن الصعب ألا نرى أن الحلف قد أمضى سنوات عدة لاستخلاص استنتاجات شاملة وملموسة من أفعال روسيا في أوكرانيا، وقبل ذلك، جورجيا. ويستعد الحلف حالياً لفترة طويلة. ففي وارسو، أكدت الدول 28 الأعضاء استعدادها لمواصلة الحوار مع موسكو، وإحياء تدابير بناء الثقة، غير أنه من الضروري إظهار استعراض للقوة قبل ذلك.
