يتفق العالم بأسره اليوم على أن ليبيا أصبحت دولة عاجزة، تمزقها صراعات الميليشيات المتناحرة، والإيديولوجيات الدينية المقسّمة، وزعماء الحروب والمتشددين. أما فيما يتعلق بحكومة «الوحدة»، فهي مرفوضة من البرلمان الليبي والجيش شرقاً، ناهيك عن مزيج الميليشيات الزاحفة باتجاه «داعش»، والتي لا بدّ ستتناحر فيما بينها ما إن تستولي على سرت معقل التنظيم، إذا حصل.
وتضم ليبيا حوالي 1700 مجموعة مسلحة منقسمة دينياً وإثنياً وسياسياً، وتضع يدها على ترسانة من الأسلحة الرخيصة، وتشكل بذلك إحدى دول العالم الأكثر تشرذماً، بعد أن شهدت لفترة من عمرها السياسي 18 عاماً من الاستقلال والوحدة على نطاق واسع وقامت على حكم دستوري واقتصاد نفط مزدهر. وقد كانت بريطانيا صاحبة الفضل الأول في إحلال فترة السلام القصيرة، من خلال اتفاقية أعقبت الحرب وكرست على رأس ليبيا ملكاً للمرة الأولى.
لقد ارتكبت قوى الاستعمار الكثير من الخطايا والمناورات في سياسة الشرق الأوسط، إلا أن فترة حكم الملك محمد إدريس الأول القصيرة في ليبيا اتسمت بكونها إرثاً يستحق الثناء.
اليوم، وبعد 47 عاماً على نهاية حكم إدريس على يد الضابط معمر القذافي، البالغ من العمر حينها 27 عاماً، يسود الحديث حول استعادة الحكم الملكي لليبيا وتنصيب شخصية يمكن للبلاد أن تتوحد حولها. ويمكن لأحد أشكال الحكم التقليدية أن يشكل أحد مفاتيح مستقبل ليبيا.
إلا أن مملكة ليبيا بالكاد اتبعت النموذج الغربي في الديمقراطية، إذا استقرت السلطة بيد الأقلية الحاكمة، وزعماء القبائل، وساد الفساد. وتمتعت البلاد مع ذلك بالسلام والازدهار والتماسك نوعاً ما، للمرة الأولى والوحيدة في التاريخ.
وسادت خلال فترة حكم القذافي موجة من الحنين للحكم الملكي، ولو على نحو سري. وبرزت في مرحلة أحداث الربيع العربي الراية الملكية ثلاثية الألوان كرمز للتمرد، وحمل المعارضون لنظام القذافي صوراً للملك الراحل. كما طالب محمد السنوسي، حفيده ووريث عرشه المجتمع الدولي بـ«وقف كل أشكال الدعم للدكتاتور».
وهام هم الليبيون المؤيدون للنظام الملكي يعودون للظهور على ساحة الأحداث من جديد، وسط دعوات لإحياء الدستور الموحد للبلاد للعام 1951، وقد أعلن متحدث باسم الملك محمد أنه «مستعد للعودة إلى ليبيا إذا كان هذا مطلب الشعب».
لا تزال الأنظمة الملكية تجدي نفعاً في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط. علماً أن القادة الذين أطيح بهم خلال أحداث الربيع العربي للعام 2011، كانوا رؤساء جمهوريات، في حين أن الأنظمة الملكية في كل من المغرب والأردن وغيرهما لا تزال تتمتع بشهرة شعبية واسعة وتظهر موهبةً لمواكبة العصر.
لا يمكن حتماً استعادة نظام ملكي بصيغته الإقطاعية السابقة، إلا أنه يمكن في بلد قطعت الحرب الأهلية أوصاله أن يتجاوز هذا الشكل من حكم العداوات السياسية والحزبية، ويعيد إحياء فكرة الأمة الليبية.
ويمكن لاستعادة الحكم الملكي للسنوسي أن تساعد في إعادة توحيد القبائل المتناحرة، وتوفر منصة مواجهة قوية دينياً بوجه تشدد «داعش»، وذلك من موقع السنوسي الروحي. اعتاد الرئيس الليبي السابق تلقيب نفسه بـ«ملك ملوك إفريقيا» بعد أن أطاح بالملك الواحد، إلا أن استعادة النظام الملكي بعد إزالته من الحكم قد تساعد في توحيد البلاد التي أمعن في تخريبها.
استقلال
طلائع النظام الملكي الليبي تواجه صعوبات، سيما أن ليبيا الدولة الأكثر فقراً في العالم، تحكمها الأمية التي تصل إلى 94 بالمئة، والاقتصاد المتراخي، و11 مليون قنبلة غير منفجرة منذ الحرب العالمية الثانية، وقد حذر إدريس يوماً من هذا الوضع بالقول: «إن الحفاظ على الاستقلال أصعب من نيله».
