قد يأتي حين من الدهر، ينظر فيه للتصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، باعتباره نقطة تحول في السياسة العالمية، وربما كأمر تترتب عليه نتائج عديدة، أكثر من أي حدث منذ سقوط جدار برلين.
فضلاً عن أن القرار قد يشير إلى اللحظة التي واجهت فيها أوروبا فشلها الدستوري، وجهاً لوجه، عندما توقفت فكرة «الغرب»، أخيراً، عن أن تكون ممكنة، وحينما أكدت أميركا بمعناها المتمثل في أن مصلحتها تكمن بشكل أكبر في آسيا، من مجال نفوذها الأطلسي التقليدي.
وبشكل مبدئي، فإن صدمة الاستفتاء، يتم الشعور بها في بريطانيا. ففي مجال السياسة، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، بالفعل، اعتزامه المغادرة، ولكن بشكل بطيء، على نحو مؤلم.
ويتطلب إجراء استبداله، المضي في تصويت على مرحلتين، يجري أحد التصويتين أعضاء حزب المحافظين في البرلمان، في حين يتسلم زمام التصويت الآخر، قادة وأعضاء في حزب المحافظين. ومن شأن تلك العملية، أن تمتد حتى فصل الخريف المقبل. وفي غضون ذلك، ستتم قيادة البلاد خلال أزمتها من قبل بطة عرجاء.
وما إن يتم اختيار زعيم جديد للبلاد، فإما أن يكون هذا الزعيم مؤيداً لمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، وفي هذه الحالة، سيقع في خلاف مع الأغلبية في البرلمان، وبالتالي، هو مهدد بإجراء تصويت لحجب الثقة به، ما قد يؤدي لإجراء انتخابات مبكرة.
وبشكل بديل، أن يكون القائد الجديد مؤيداً لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وفي هذه الحالة، فإنه سيعارض نتائج الاستفتاء الذي اقترع في أصحاب 72 % من الأصوات.
كما أن الوضع لن يصبح مستقراً، تبعاً للتطورات السياسية الأخرى. فهنالك أقاويل بأن حزب العمال قد يغتنم هذه الفرصة، لإقالة زعيمه اليساري، جيرمي كوربن. وبالفعل، توقعت نيكولا ستورجيون زعيمة الحزب الوطني الإسكتلندي، إجراء استفتاء ثانٍ بشأن الاستقلال عن المملكة المتحدة.
ستكون هناك عواقب بالنسبة إلى الأسواق المالية، سواء في بريطانيا أو الخارج. وبالفعل، تعرض كل من الجنيه الاسترليني وبورصة لندن للانخفاض، مع توقع حدوث ركود، على الأرجح. في حين أن ما يسمى بعملات «الملاذ الآمن»، آخذة بالارتفاع، ألا وهي الين الياباني، الفرنك السويسري، والدولار الأميركي.
وبالنسبة إلى جميع تلك الاقتصادات، فإن العملات الأقوى، تعني انخفاض كل من الصادرات ومعدلات التضخم. بحيث لا نتوقع تعافي الاحتياطي الاتحادي الأميركي قريباً. في حين أن محاولات رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لإنقاذ بلاده من الركود، قد تلقت ضربة قاسية.
بيد أن أكبر العواقب ستطال أوروبا، وذلك على حد سواء، من حيث الواقع والفكرة. سيسهم التصويت البريطاني في تشجع الشعبويين في أماكن أخرى من العالم، وبالفعل، طالب المشككون في أوروبا، في كل من السويد وفرنسا وهولندا، باستفتاء على غرار الذي أجري في بريطانيا.
فضلاً عن إشارة استطلاعات الرأي، إلى أن الناخبين الفرنسيين هم الأكثر تشككاً في الاتحاد الأوروبي، بدرجة أكبر، حتى من نظرائهم البريطانيين، وهو شعور من شأنه مساندة مارين لوبن، الشعبوية اليمينية المتطرفة، خلال الانتخابات الرئاسية العام المقبل. وبالفعل، تتسلم الحكومات الشعبوية زمام السلطة في كل من اليونان والمجر وبولندا. لذلك، فإن الخوف من إضعاف التماسك الأوروبي، يمكن أن يفضي لإضرام الاضطرابات الاقتصادية في منطقة اليورو.
في عالم مثالي، ستسهم صدمة مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، في دفع أوروبا لإيجاد استجابة قوية. وباستعارة تشبيه يرجع للأزمة المالية العالمية عام 2008، إذا كان تصويت بريطانيا أخيراً كشيء من «لحظة إعلان بنك ليمان إفلاسه»، فإنه يقع علينا جميعاً بث الأمنيات، بأن تكون الخطوات المقبلة مشابهةً للإنقاذ السريع «للمجموعة العالمية الأميركية»، ولتمرير خطة برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة.
بعبارة أخرى، تحقيق التزام صارم، بضرورة عدم وقوع المزيد من أحجار الدومينو، أي عدم وقوع سلسلة من الاضطرابات. إلا أن مشكلات أوروبا عميقة للغاية، كما أن قيادتها منقسمة للغاية، وذلك بالنسبة إلى احتمال حدوث مثل تلك الاستجابة القوية.
التزام
يحتاج قادة الاتحاد الأوروبي، خلال الأيام المقبلة، لإعادة تأكيد التزامهم بالاستقرار. إذ بمقدور ألمانيا، تخفيف الصدمة الاقتصادية، من خلال التعهد بخفض الضرائب، كما ينبغي عليها الامتناع عن انتقاد البنك المركزي الأوروبي، لتصعيده تدابير نقدية استثنائية.
يجب على كل من فرنسا وإيطاليا، وغيرها من القوى، التعهد بطلاق سريع ومنطقي مع بريطانيا. ويتعين على أميركا، من جانبها، إظهار التزامها بحلف شمال الأطلسي (ناتو).
إننا لسنا في خضم فترة تزخم بالحنكة، فلدى قادة القارة الأوروبية تحدياتهم الشعبية الداخلية الخاصة ليقلقوا بشأنها. كما أنهم ليسوا في حالة مزاجية ليكونوا أسخياء مع الدول المجاورة. أما بالنسبة لأميركا، فإن الحالة المزاجية فيها ليست دولية على وجه تام.
