أبدى عدد من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، منذ أغسطس 2013 على الأقل، معارضتهم لسياسة كف اليد التي يتبعها الرئيس الأميركي باراك أوباما إزاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وبرز من هذا المنطلق، السؤال عن مغزى توقيت مطالبة مجموعة من 51 دبلوماسياً من المستوى المتوسط في وزارة الخارجية الأميركية، أخيراً، باعتماد نهج أكثر حزماً في سوريا.
وتتضمن دوافع هؤلاء، وفق تحليل بعض الدبلوماسيين السوريين والخبراء الإقليميين المقربين من الأوساط الدبلوماسية، محاولةً أخيرة لدفع العجلة السياسية في ما تبقى من أشهر معدودة على رئاسة أوباما، ورغبة في بث اعتراضات على النهج الدبلوماسي الذي يشدد المعارضون على أنه لا يخدم إلا أعداء أميركا في الصراع، وآمال بإطلاق جدال حول سياسة سوريا في الحملة الانتخابية.
وترتكز المذكرة على ما يعتبره الموقعون عليها، دليلاً دامغاً على أحداث السنوات الخمس الماضية، التي تشير إلى أن الأسد يسخر من سياسة تنطوي على الدبلوماسية، وتغفل أي تحرك فعلي على أرض الواقع.
مؤشر مقلق
وقال أندرو تابلر، الخبير في الشأن السوري والسياسة الأميركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «أصبح الأسد، بموجب النهج الحالي المتبع، أكثر صلابة من أي وقت مضى، وليس هذا ما تريده أميركا».
وأشار تابلر، صاحب العلاقات الوثيقة مع أوساط وزارة الخارجية المعنية بالشرق الأوسط، إلى أنه يجب اعتبار المذكرة بمثابة مؤشر مقلق على تذبذب المساعي الدبلوماسية في جنيف، التي بدلاً من وضع حدٍ لنظام الأسد والعنف في سوريا، مكنت قوات الأسد من ملاحقة المعارضة، وانتشال نفسها من براثن الهزيمة الوشيكة.
ويرى البعض، أن استعراض الأسد الأخير وازدراءه لخصومه، كان «الشعرة الفاصلة» التي حضت الدبلوماسيين على المطالبة برفع مستوى التدخل العسكري، لممارسة المزيد من الضغوط على الأسد، ودفعه إلى المفاوضات، لا سيما بعد أن تعهد، أخيراً، باستعادة «كل جزء» من الأراضي السورية.
بين مؤيد ومعارض
واستعرض الدبلوماسيون البالغ عددهم 51، انتقاداتهم من خلال «قناة الاعتراض» التابعة لوزارة الخارجية، حيث طالبوا باتباع سياسة ناشطة في سوريا، تتضمن شن غارات عسكرية جوية على أهداف تابعة للنظام. ويعتبر التهديد باستعمال القوة، مكوناً ضرورياً لسياسة ترمي لممارسة الضغط على رئيس، أثبت مراراً أنه لا يستجيب لوسائل أخرى، حسب رأي الدبلوماسيين.
ويتصدى مسؤولو البيت الأبيض لهذه الحجة، بالقول إن النهج الحالي المتبع قد نجح، باعتبار أن وقف الأعمال العدائية الذي دام أربعة أشهر، قد خفف منسوب العنف في سوريا. وحذر المسؤولون من أن أي تبديل في السياسة الأميركية باتجاه التدخل العسكري، سيثير حفيظة روسيا، ويهدد بالمواجهة بين القوتين العظميين، وفق ما أشار بعض الدبلوماسيين، الذين ينظرون إلى المذكرة على أنها ساذجة ومتأخرة.
ويبدو أن المعارضين الموقعين على المذكرة، قد توقعوا الاعتراض على خطوتهم، فأشاروا إلى أن لا نية لديهم بالتشجيع على «الانزلاق إلى سبيل ينتهي بالمواجهة العسكرية مع روسيا»، بل كبح جماح الأسد.
ويذكر أن بعض المسؤولين الآخرين، أبدوا دعماً لمبادرة المعارضين، وأكدوا على أنها تعكس الاستياء واسع النطاق، حيال سياسة كف اليد التي يتبعها أوباما، وترسل إشارات للسوريين تحديداً، تقول لهم إن أميركا لم تنسهم.
وأعرب تابلر، عن اعتقاده بأن المذكرة لا تقتصر على إعلان الاعتراضات القديمة على سياسة سوريا، بل تهدف إلى تحديد التوجه السياسي ذي العلاقة في المستقبل. ومع اقتراب نهاية العهد الرئاسي الحالي، يعتبر تابلر أن الموقعين على المذكرة يرمون لإعلاء سقف الجدال، والدفع باتجاه تغيير توجهات الإدارة المقبلة.
ويختم تابلر بالقول: «يبدي هؤلاء الأشخاص، استعداداً لرفع الصوت عالياً، والعمل على تغيير السياسة المتبعة حيال سوريا، بغض النظر عن هوية الرئيس العتيد».
خطأ
اعتبر فريديريك هوف مستشار وزارة الخارجية الأميركي السابق، المعني بعملية انتقال السلطة في سوريا، أن المذكرة الدبلوماسية الأميركية، بمثابة «محاولة أخيرة لإقناع أوباما بأن مبدأ (ليس مجدداً مطلقاً)، يمكن تطبيقه في سوريا، وأن مفاوضات السلام ستكون عقيمة بالكامل، طالما أن الأسد يشعر بالحرية التامة للتنكيل بالمواطنين».
ولا تعكس المذكرة أول حالة اعتراض داخلية على إدارة أوباما حيال سوريا. وقد أشار وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع السابق روبرت غيتس إلى أنهما فشلا في مساعي الحض على ردّ أقوى لهجةً على الأسد، ووصف غيتس امتناع أوباما عن التصرف إزاء تجاوز الأسد «الخط الأحمر»بأنه يعد «خطأً فادحاً».

