سيرتاع معظم زملائي السابقين في وزارة الخارجية الأميركية لسماعهم هذا التأكيد الجازم، لكن جانباً كبيراً من القلق الذي تزكيه وسائل الإعلام بشأن قلة خبرة دونالد ترامب في السياسة الخارجية هو قلق مفتعل.

ويشعر كوادرنا الخبراء في السياسة الخارجية من المحافظين الجدد، الذين لم يتواضعوا بعد السير بنا إلى حرب طائشة في العراق وحرب سيئة الإعداد في أفغانستان، والذين صفقوا عندما قصفنا ليبيا، ويحسون بالمرارة لأننا فشلنا في قصف الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا، يشعر كوادرنا هؤلاء بالخوف، وغالباً ما يركزون على تعليقات ترامب على مسائل ليست ذات أهمية فعلية بالنسبة لهم، من موقفه الحاد من الهجرة، إلى «تهديده» لحرياتنا، وتعليقاته البائسة أحيانا بشأن النساء وبعض الأقليات، لكن ما يزعجهم هو موقفه المتزن عموماً، والذي يفتقر إلى موقف المنقذ المخلّص في الشؤون الخارجية. وليست لدى ترامب رغبة في جعل باقي العالم على صورتنا، بل هو معني فقط بعدم قيام العالم بتحويل أميركا على صورته.

ويتحسر المحافظون الجدد على رفض ترامب للدور العالمي للولايات المتحدة، لكن ترامب ليست لديه النية لسحب الولايات المتحدة من المسرح الدولي، إذ إنه يرفض فقط الاستخدام العشوائي للشباب والشابات في مغامرات خارجية تعد أهميتها عرضة للتشكيك.

المظاهر الخادعة

وليست هيلاري كلينتون إلا أحد المحافظين الجدد في زي حمل، تماماً كما يجسد ترامب بمواقفه على بعض قضايا السياسة الخارجية صورة مضخمة قليلاً عن المرشح الديمقراطي برني ساندرز في زي ذئب.

لكن ما يظهره زي هذين المرشحين يشكل فارقاً كبيراً. فمعظم الأميركيين لا يرغبون بأن يجري الازدراء بالولايات المتحدة، ويريدون أيضاً قوة عسكرية لا تتحمل أي هراء من أحد، لكنهم أيضاً لا يريدون مغامرات عسكرية. وينجح ترامب في توفير ذلك في اتجاهين: فهو يطمئنهم بأن الولايات المتحدة ستكون محترمة، وبأنه أيضا لن ينشر جنودنا وقوداً للمدافع في ساحات الوغى البعيدة. ووراء تلك الخطب ضد الهجرة غير الشرعية والحاجة إلى التحلي بالقسوة مع أعدائنا يوجد تركيز على الداخل الأميركي.

ومن الأمور التي تتصدر أولويات المحافظين الجدد افتعال حرب باردة مع روسيا، لكن ترامب قد يتجنب ذلك. وفيما تكرر هيلاري كلينتون مراراً أن روسيا لا تفهم إلا على خصم صعب وحازم، قد يكون نهج ترامب أكثر تعقيداً ونضجاً. يقول ترامب، وهو الأقل مشاكسة بين معظم المرشحين الجمهوريين السباقين، إنه سوف يتحاور مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهذا الموقف يتطلب شجاعة حقيقية أخذاً في الاعتبار وجهة نظر النخبة عموماً ضمن الحزب الجمهوري.

وعلى نقيض كلينتون، التي تعتقد أنه يجب أن نعمل على توسيع حلف شمالي الأطلسي «الناتو»، لأنه من وجهة نظرها ستكون روسيا تهديداً أعظم من دون توسعة الناتو، يبدو ترامب مدركاً لتحذير جورج كينان من أن توسيع الناتو سوف يقود مباشرة إلى تحول روسيا إلى بلاد أكثر عدوانية وارتياباً.

مفارقة غريبة

وقد وصف زميل سابق لي بتلهف أزمة أوكرانيا خلال مؤتمر خاص بالسفراء في عام 2014، بمصطلحات تعود للمحافظين الجدد، بأنها صراع مانوي بين الخير والشر. وتهيمن مثل تلك المفاهيم الخارجة من الكتب الهزلية على خطابنا السياسي الآن، وتشوه الوقائع وتجعل من المستحيل تقريباً إجراء تقييم موضوعي لقضايا معقدة. ترامب، وعلى الرغم من كل تعليقاته الغريبة حول القضايا المحلية، إلا أنه يمسك على نحو أفضل بالأبعاد الخفية للسياسة الدولية ومخاطر التفكير بأنفسنا بأننا معصومون أو لا نقهر.

يا لها من مفارقة: المرشح الأكثر تهوراً والطفولي وعديم الخبرة، في الظاهر، قد يكون في الواقع أكثر نضجاً ورزانة في السياسة الخارجية من منتقديه، الذين يصعدون الحجج المؤيدة للعنف عندما يشعرون بالاستياء، ويفتقرون إلى أي إحساس بالأسف والندم على آرائهم وتحركاتهم السابقة، ويفشلون مراراً وتكراراً في رؤية إمكانية أن يكون هناك وجهان لأي خلاف.

القوة والضعف

هناك إحساس بأن أميركا، في سبيل أن تعود عظيمة كما كانت من قبل، تحتاج إلى التخلي عن دور الشرطي العالمي، وتهتم أولاً باحتياجاتها في الداخل. ومن خلال الظهور بمظهر لاذع، فإن ترامب قادر على الظهور بأنه أكثر عسكرة وأكثر قسوة من كلينتون التي تعد أكثر تهوراً بكثير، التي وافقت بدهاء وتعجرف على ما قالته صديقتها القديمة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة وسفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة: «ما هي الفائدة من وجود هذا الجيش الرائع إذا لم نتمكن من استخدامه؟» وقد قدم الجنرال كولن باول توبيخاً شديد اللهجة على هذا السؤال في وقت لاحق معلناً أن الجيش ليس لعبة بين المحافظين الجدد وكلينتون.