تتواصل بلا هوادة الأزمة، التي يمكن القول إنها ألحقت بقارة أوروبا الضرر الأكبر، أي الحرب في سوريا. ولا تزال سوريا تحترق على أبواب أوروبا.
وقد حان الوقت للاعتراف بأن جهود السلام التي بذلتها الولايات المتحدة وروسيا فشلت فشلاً ذريعاً.
أما مسألة ما إذا كانت هناك فرص متوفرة لتغيير هذا الوضع بعد تولي رئيس أميركي جديد مقاليد السلطة في أوائل 2017، فتبقى رهن التكهنات، لكن هذا تحديداً هو السؤال الذي يحتاج الأوروبيون لطرحه على أنفسهم، للبدء في الإعداد له، أما الوقت للقيام بذلك، فهو اليوم.
ومن يعتقد أن الحرب في سوريا قد توارت عن الأنظار، فليعد النظر ثانية. فقد تصاعدت الغارات الجوية واسعة النطاق التي تشنها روسيا وقوات الحكومة السورية على مدينة حلب المحاصرة، وقد تم تدمير المزيد من المستشفيات وقتل المزيد من الأطفال.
لكن الأوربيين يتجاهلون سوريا، وسوف يعانون جراء ذلك، فمصير أوروبا مربوط بالأحداث في محيطها العربي بطريقة لا تنطبق على الولايات المتحدة.
وفي مقابل كل سوري لاجئ وصل إلى أوروبا، كم برأيكم عدد الذين تم رفضهم أو علقوا في مناطق الحروب، وتزداد كراهيتهم لكل من فضل أن يرفع الأسلاك الشائكة في وجهه في الغرب، أو لا يحرك ساكناً؟ منشغلون بالإرهاب وتوزيع اللاجئين على بلداننا، بتنا قلقين من تأثير امتداد الصراع السوري، فيما توقفنا عن التفكير في الأسباب الجذرية له.
وينظر معظم الأوروبيين إلى سوريا بوصفها أساساً مشكلة تتعلق بمكافحة الإرهاب، وتشجع حكوماتهم على ذلك، لأن إرسال طائرات حربية إلى سوريا يعد أمراً أكثر سهولة من التعامل مع حقائق الكارثة المعقدة المتمثلة في أسوأ أزمة إنسانية في عصرنا. وقد نما التشدد في صفوف المعارضة المسلحة في سوريا، لكن ينبغي أن لا يفضي هذا إلى صرف النظر عن المعارضة السورية.
فلو كانت هذه المعارضة مجرد حفنة من المتشددين لا غير، لما كانت هناك مفاوضات تشمل «اللجنة العليا للمفاوضات» لقوى المعارضة السورية المناهضة للأسد والمعترف بها من الأمم المتحدة. وقد مضت المباحثات، والتزمت بها روسيا حتى بعد بدء تدخلها العسكري في سبتمبر 2015، وكان يفترض بالمباحثات أن توقف الحرب الأهلية.
لكنها لم تفعل. لنذكر كيف في ديسمبر الماضي صوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع من أجل التوصل إلى حل ينهي الحرب الأهلية وتشكيل حكومة جديدة لسوريا؟ الاتفاق تمت الإشادة به كخطوة رئيسية نحو السلام. وكلفت المجموعة الدولية لدعم سوريا المؤلفة من 17 دولة رسمياً بقيادة التغيير السياسي في سوريا..
ودعت إلى «حكم يتمتع بالصدقية وشامل وغير طائفي» في غضون ستة أشهر، وإلى «انتخابات حرة ونزيهة وفق دستور جديد» في غضون 18 شهراً. الآن كل ما يبدو أن الأمم المتحدة قادرة على فعله هو انتظار ترخيص من نظام الأسد للسماح بتسليم المساعدات إلى المدن والمناطق نفسها التي تحاصرها قواته. ووصلت أخيراً بعض إمدادات الغذاء، فاحتلت عناوين الصحف، كما لو أن اختراقاً أساسياً قد حدث.
وقيل الكثير بشأن تراجع القوة المفترض للولايات المتحدة. ومن الصعب الاختلاف مع وجهة النظر القائلة إن إيجاد حل في سوريا غير ممكن إلا إذا كانت هناك درجة من التعاون من روسيا.
وعلى الرغم من الإعلان عن انسحابها في مارس الماضي، إلا أن روسيا تخندقت في الصراع، بالاستفادة مما رشح من تأكيدات جازمة بأن إدارة أوباما كانت تريد أقل قدر ممكن من التورط. ومن خلال نشرها الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي، أوجدت روسيا منطقة حظر طيران تلائم مصالحها ومصالح نظام الأسد الذي تحميه، وليس في سبيل حماية المدنيين. وبالطبع، قوة أوروبا تعتبر ضئيلة في مقابل القوة الهائلة الأميركية، لكنها ليست غائبة تماماً، في حال تمكنت أوروبا من التحرك معاً.
ولدى أوروبا المزيد من المخاطر على المحك في سوريا من الولايات المتحدة نتيجة للطريقة التي تأثرت بها سياساتها المحلية وأمنها بشكل مباشر بالحرب. وينبغي أن تكون هذه أولوية بالنسبة للأوروبيين قبل فوات الأوان. روسيا هي جارة أوروبا، وينبغي على أوروبا أن تجد القوة لممارسة الضغوط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لن ينحني أمام الابتسامات، لكنه يواجه وضعاً اقتصادياً صعباً بين يديه.
ربما الحديث عن عقوبات أوروبية جديدة هذه المرة بالتركيز على سلوك روسيا في سوريا؟ ولا توجد حلول سهلة، لكن طالما الولايات المتحدة وروسيا هما بمفردهما على طاولة المفاوضات، فإن المصالح الأوروبية سوف تعاني، هذا دون ذكر معاناة المدنيين السوريين.
صورة
تم إحراز تقدم في القتال ضد «داعش» أخيراً. في سوريا والعراق، بات التنظيم في موقع دفاعي، ويبدو أن القوات الكردية والعربية تنشط لاستعادة المزيد من الجيوب.
وهذا ليس إلا جانباً من الصورة، لكنه الجانب الذي يفضل السياسيون الغربيون الإضاءة عليه. أما الجانب الآخر فهو ما أوجد الجزء الأكبر من حركة اللاجئين من سوريا إلى أوروبا في عام 2015:
الحرب الأهلية التي بدأت في 2011 عندما أمر الرئيس بشار الأسد قواته الأمنية بفتح النيران على متظاهرين سلميين، كانوا يدعون إلى ثورة ديمقراطية، كما في تونس. وهو الذي أطلق سراح متشددين من سجونه، وعمل على التأكد من أن العالم بدأ يرى سوريا بثنائية: الأسد مقابل المتشددين.
