تظهر انتخابات الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، كحدث ذي أهمية محدودة، بالمقارنة مع ضجيج وسائل الإعلام الذي يرافق حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الجارية.
ومع تحديد الأمين العام الحالي، بان كي مون، لموعد تقاعده قبل نهاية العام الجاري، بعد قضائه مدتين في المنصب، فإن السباق للتوصل إلى من سيخلفه يزداد حدة.
سيدرك الأمين العام الجديد، جيداً، حتى قبل تعيينه في منصبه، نفاد صبر عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بشكل متزايد، حيال الإخفاق في إصلاح المنظمة العالمية، ولا سيما مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، والدول الخمس دائمة العضوية فيه، التي تستخدم حق النقض (الفيتو)، ألا وهي الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، وأميركا.
تؤكد الدول الفردية الأعضاء، أو مجموعات منها، كمجموعة الأربع، على ضرورة إصلاح البنى القديمة للأمم المتحدة، معربةً عن أسفها، حيث إن التصريحات الفاترة بالنسبة إلى أهدافه لم تكن كافية. فقد عملت مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، على امتداد عقود، على تحويل مجلس أمن الأمم المتحدة لهيئة حصرية، ساهمت غالباً في المآسي الإنسانية، والصورة الزائفة للعدالة، وذلك عن طريق استخدام حق النقض.
أصبح حق الفيتو، الذي يجري تصويره على نحو أصيل، كآلية لإيقاف الظلم والوحشية والإبادة الجماعية التي ارتكبها طغاة العالم، أصبح اليوم أداة فعالة في يد مجموعة الدول الخمس الأعضاء، بهدف تحقيق مصالحها الخاصة.
ومع إيجاد المجموعة السابقة لعدد من الدول التابعة، فإن أمر إيجاد حل سريع لنزاع ما، يمكن أن يصبح، في كثير من الأحيان، مهمة ذات أبعاد شاقة. إن الصراع السوري، الذي كان معقداً ووحشياً منذ بدايته، تطور اليوم إلى صراع رهيب وشائن، ليكتسب وجوهاً جديدة مع وصول تنظيم «داعش»، الذي يريد الجميع القضاء عليه، ولكن دون أن يعرف أحد أفضل طريقة لفعل ذلك.
وفي حين يتم إلقاء اللوم على روسيا لإطالة أمد الحياة السياسية للرئيس السوري بشار الأسد، عبر دعم الأمر في مجلس الأمن، يرد الروس بحجة أن تفشي «داعش» كان مصدره الغزو الأميركي للعراق. ولا تسهم لعبة اللوم، والعين بالعين، بين مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلا في تمديد الصراع، وحسب، وهو ما قد يؤدي بدوره لإيجاد جهات فاعلة جديدة أشد فتكاً بكثير، وذلك من إحدى حالات الصراع، الأمر الذي يضيف للمعاناة الإنسانية.
وبالتالي، لن يرث الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، قضية سوريا وحسب، بل أيضاً مشكلات رئيسة أخرى من بان كي مون. ويلقى موضوع إصلاح الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن، أهمية كبيرة من معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وقد كان المرشحون لتولي منصب الأمين العام، بوجود 11 مرشحاً خلال الوقت الراهن، خمسة منهم من النساء، غير واضحين للغاية..
وحتى الآن، عند حديثهم عن إصلاحات الأمم المتحدة، ويبدو أن ذلك على ما يبدو محاولة لتجنب بدء الأمور على نحو غير صحيح، مع أي من الدول التي تحوز حق الفيتو، والتي ستقدم في نهاية المطاف، موافقتها من عدمها على المرشح.
وتشمل قائمة المرشحين، كلاً من أيرينا بوكوفا (بلغاريا)، هيلين كلارك (نيوزيلندا)، ناتاليا غيرمان (مولدوفا)، أنطونيو غوتيريس (البرتغال)، فوك جيريميك (صربيا)، سيرجيان كيريم (مقدونيا)، ميروسلاف لاجكاك (سلوفاكيا)، ايغور لوكسيك (الجبل الأسود)، سوزانا مالكورا (الأرجنتين)، فيسنا بوسيتش (كرواتيا)..
ودانيلو تورك (سلوفينيا)، فضلاً عن احتمال انضمام مرشحين آخرين لسباق المنصب. وكثيراً ما تردد اسم واحد داخل الأوساط الدبلوماسية للأمم المتحدة، وهو رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفن رود، الذي قد ينضم لركب الترشيحات.
يتنافس أولئك المرشحون، للمرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة منذ 70 عام، علانيةً، لنيل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، حيث شارك المرشحون في حوارات وجلسات غير مسبوقة، عقدت في الفترة من 12 إلى 14 أبريل الماضي، ليعرض كل منهم ملفه أمام 193 من الدول الأعضاء والدول المراقب، مع الإجابة عن الأسئلة المطروحة من قبل الأخيرة.
وتقدم الشفافية في «مقابلة العمل بمواجهة العالم بأسره»، فرقاً قاطعاً بالنسبة إلى المنافسات السابقة، حينما كان المرشحون والحكومات التي تدعمهم يشنون، عادةً، حملة وراء الأبواب الموصدة.
مصداقية
رؤية الأمين العام الجديد للأمم المتحدة ستكون خاليةً من المصداقية، من دون تأييد الإصلاحات العاجلة والملحة في المنظمة الدولية. ولن يسهم تفوق الشفافية على السرية في تحقيق قصة نجاح غير كاملة. وبينما يغرق العالم في الصراعات، فإن إطلاق العنان لوقوع تداعيات كارثية ، سواء كان ذلك في سوريا، ليبيا، العراق، سيحتاج لفك المشكلة المستعصية في الأمم المتحدة.
والتي تظهر في مباريات البوكر المعتادة، التي تلعبها مجموعة الدول الخمس داخل ناديهم، ألا وهو مجلس الأمن.ولكن في حال واصلت دول الفيتو أساليبها المعرقلة، مع منع الإصلاحات الضرورية لمجلس الأمن، فإن حكم التاريخ عليها لن يكون جيداً. فكلما أجريت تغييرات عاجلة على الأمم المتحدة، كان ذلك أفضل للبشرية.
