ينبغي أن يتصف رد الفعل الأولي على الجريمة المروعة التي وقعت في أورلاندو بفلوريدا، وهي أحد أسوأ حوادث إطلاق النار في التاريخ الأميركي، بمشاعر التعاطف والتضامن مع الضحايا ومحبيهم، ومع مدينة أورلاندو.
ومن المروع أن يقتل أناس خرجوا لقضاء أمسية، أو يجري إنهاء حياتهم بإطلاق الرصاص عليهم. وهذا يصح، ويعد شديد الأهمية، بغض النظر عما سيجري الكشف عنه بشأن دوافع مطلق النار عندما يجري التحقيق الوافي بالقضية.
ولا يعرف بعد ما إذا كان هذا الهجوم عملاً إرهابياً منظماً، أو إلى أي حد هو كذلك، وينتظر تبيانه. ولا نعرف ما إذا كان الضحايا قد قتلوا لكونهم أميركيين أو لميولهم، أو للسببين معاً: فتنظيم »داعش« في النهاية لديه سجل من الجرائم الوحشية والقسوة.
ولا يمنع الجهل بالدوافع من القفز إلى الاستنتاجات، لكن فيما يقوم رجال الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي بعملهم في فك الأسرار الكامنة وراء هذه الجريمة الفظيعة، يتعين على الساسة المسؤولين إظهار الهدوء والعزم. فالضرر التي حل بالضحايا وعائلاتهم يشكل أمراً مروعاً بما فيه الكفاية. ومن مهام القيادة تخفيف الضرر الذي يمكن أن تسببه هذه الهجمات للمجتمع الأوسع نطاقا.
وهذه مهمة، يفشل المرشح الرئاسي المحتمل عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب بها، على نحو متوقع. فقد غرد لاتباعه قائلاً: »متى سنصبح صارمين وأذكياء ومتيقظين«؟، لكن لا توجد أدلة تشير إلى وجود أحد في أورلاندو لم يكن صارما وذكيا ومحترسا مع تكشف هذا الهجوم.
الحقيقة المرة هو أن المجتمع الأميركي يتسم بالضعف لمثل هذه الهجمات بطريقة لا يتصف بها غيره، وذلك لاعتقاده أن الحرية تتطلب سهولة الوصول بشكل واسع للأسلحة الفتاكة. فمن الصحيح أن الأسلحة لا تقتل الناس، كما يقول الشعار، غير أن الناس الذين يحملون أسلحة يقتلون بالفعل، وهم يفعلون ذلك بسرعة وبفعالية أكثر بكثير مما يفعل الناس من دون أسلحة.
وكانت هناك 43 عمليات إطلاق نار عشوائية في الولايات المتحدة في السنوات العشر الماضية، منها عدد قليل لأسباب أيديولوجية يمكن التعرف عليها. بعضها جرى في ولايات، مثل فلوريدا، حيث من القانوني لأي كان أن يتقدم من اجل الحصول على رخصة تخوله التنقل بأسلحة فتاكة يجري إخفاؤها، وهو شيء لا يمكنه عمليا إنقاذ حياة أي شخص، إذا ما بدأت الرصاصات في التطاير.
المشكلة هنا هو أن الولايات المتحدة، وهي بلاد تقدر الحرية أكثر من أي شيء آخر، تدمر حرياتها الحقيقية في سعيها وراء حريات وهمية. الحرية التي كان يجري التمتع بها، من قبل الراقصين في النادي الليلي »بالس« تدعمها مشاعر التسامح بالإضافة إلى التطبيق الصارم وغير المنحاز للقوانين.
هذه حرية عامة يتمتع بها كل أميركي، بمعزل عن عقيدته. وهذا ما يشكل منارة حقيقية لباقي العالم. لكن هذا النوع من الحرية هو أيضا ما تميل إلى تدميره هذه الهجمات، وربما ردود الأفعال المحتملة عليها.
حريات
بغض النظر عما يمكن أن يتكشف من دوافع لمنفذ الهجوم الذي وقع أخيرا في أورلاندو، فإنه لا يوجد شخص في الولايات المتحدة يمكنه أن يشعر بأنه آمن اليوم كما كان يشعر يوم وقوع الحادث.
وينبغي ألا تفاقم أميركا الأمور من خلال الترنح أمام الخوف بالانتقال إلى أوهام السلطة المطلقة، حيث كل شيء سيتحسن فقط في حال كان الرجل القوي يهاجم أعداءه، وهذا سيدمر تحديدا الحريات التي تزعم أميركا الدفاع عنها.
