دخلت الحرب على تنظيم «داعش»، مرحلة جديدة حرجة، إذ تواجه الجماعة هجوماً على ثلاثة محاور، يهدد على الأقل، ثلاثة من معاقلها الأكثر أهمية في سوريا والعراق.

وتفيد الأهمية الاستراتيجية لتلك المناطق التي تتعرض للهجوم، أن التنظيم لن تكون أمامه خيارات كثيرة، باستثناء خوض القتال بشكل جدي، الأمر الذي من شأنه أن يساعد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، في تقييم قدرات عدوه الحالية واستهدافه بشكل أفضل. كذلك، ستحدد الطريقة المتبعة في شن الهجوم، ما إذا كانت المرحلة الجديدة تشكل بداية نهاية التنظيم، أو بدء دورة جديدة.

الهجوم متعدد الجبهات يعد مصيرياً، لأن نتائجه يمكن أن تفضي إلى أحد سيناريوهين. فمن جهة، تقود الهجمات في كلا البلدين مليشيات شيعية وقوات كردية، ينظر إليها على أنها مقربة من نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما ينذر بنتائج سلبية على المعركة طويلة الأمد، الرامية إلى إلحاق الهزيمة بـ «داعش». ومن جهة أخرى، فإن إضعاف التنظيم من قبل قوات تركز عليه، يمكن أن يجبر القوى السنية في الواقع على زيادة انخراطها في جهود اقتلاع ما تبقى من هذا التنظيم. أما أي من هذين السيناريوهين سوف يتكشف، فيعتمد في النهاية على خطوات واشنطن التالية في الشهور المقبلة.

مواجهات متعددة

في مدينة الفلوجة، المعزولة ومستنفدة الموارد، ما زالت المعركة الدائرة متواصلة هناك. وعلى نقيض انسحاب «داعش» المفاجئ من بعض المناطق أخيراً، يبدو أن التنظيم يستخدم كل ما لديه للتشبث بالمدينة الأولى التي سقطت بين يديه في عام 2014، من خلال نشره مجموعة من المفجرين الانتحاريين، إلى جانب مقاتلين انتحاريين على خط المواجهة، بالتزامن مع قصف متواصل للقوات الموالية للحكومة، التي تقع على مقربة منه.

وفي الرقة، عاصمة المحافظة الأولى التي سيطر عليها التنظيم، أدت عملية تصدي مماثلة، إلى إبطاء تقدم القوات باتجاه القرى الواقعة خارج المدينة. وفي منبج، أحد المعقلين المتبقيين للتنظيم في حلب، انسحب التنظيم من القرى المجاورة، وتحصن داخل المدينة.

وفي كل تلك المدن، أثار اختيار القوات التي ستقود المعارك تحت مظلة الدعم الجوي الأميركي، مشاعر التوتر، حتى بين صفوف أشد المعارضين لـ «داعش». فإذا كانت معركة الفلوجة في نوفمبر 2004، قد حشدت سكان المنطقة بسبب مقاومتها للاحتلال الأميركي، فإن الهجوم المستمر على المدينة حالياً، يشكل المصدر الأكبر للاستقطاب الطائفي، منذ أن بدأت الحملة العسكرية صيف 2014.

منعطف جديد

وتدحض الشعارات الطائفية المرفوعة من قبل المليشيات، التصريحات الصادرة من بغداد وواشنطن، بأن القوات التي تهجم على الفلوجة، هي قوات وطنية وشاملة لمختلف مكونات المجتمع.

ومن وجهة نظر عسكرية، فإن الحاجة إلى الإطباق على «داعش» عند هذه النقطة، قد تتغلب على أي اعتبارات أخرى تتعلق بالتداعيات السياسية والطائفية والاجتماعية المحتملة. لكن الاعتماد على مليشيات طائفية في الفلوجة، يعمل على تعقيد خطة استعادة الموصل، وليس العكس.

وفيما القتال ضد «داعش» يأخذ منعطفاً جديداً، يزداد اعتماد واشنطن على تلك المليشيات، الأمر الذي من شأنه أن يكرس ويديم القضايا الأساسية التي تزيد حدة التوتر الطائفي. ويقر المسؤولون الأميركيون بهذه المعضلة، لكنهم يصرون على أن الاندفاعة العسكرية ضد «داعش»، يجب أن تستمر، أما أي تداعيات سياسية قد تنجم عن ذلك، فيمكن التعامل معها في وقت لاحق. وتكمن المشكلة في أن المنطق نفسه مرفوض، عندما يتعلق الوضع بمشاركة قوات المعارضة السورية بطريقة ذات مغزى، تقوض خطاب «داعش»، بأن الحرب هي حرب طائفية. وهناك مشكلة أخرى، هي أن الولايات المتحدة يمكن أن تجد نفسها منجرة أكثر للغوص في العراق وسوريا، وتحديداً بسبب الآثار غير المقصودة التي تغفل عنها حالياً.

تعقيد خطط

قال مسؤولون أميركيون لوكالة «رويترز»، في تقرير نشر أخيراً، إن جهود التدريب على مدى الـ 17 شهراً الماضية، أخفقت في إيجاد وحدات قتال فعالة، وفي كبح هيمنة المليشيات الطائفية، والأسوأ من ذلك، كان تركيز معظم التدريب على القتال التقليدي، الذي أصبح أقل فائدة.

لكن الاعتماد على ميليشيات طائفية في الفلوجة يعمل على تعقيد خطة استعادة الموصل، وليس العكس. وقد تعثر الهجوم على الموصل بسبب الخلافات العميقة بين العراقيين، حول من ينبغي أن يحارب في المدينة، أو يعالج الوضع الإنساني الذي سينجم نتيجة لذلك. تعامل بغداد مع الفلوجة يجعل جهود تحرير الموصل أكثر صعوبة.